• آيات أرضية

    عندها.. بردت الشمس‏ وارتفعت البركة من الأرض‏ عندها، الأرض الخضراء يبست كالصحراء‏ جفّت الأسماك في البحر‏ والتراب لم يعد يتقبل الموتى من بعدُ، ‏ الليل في كل النوافذ الشاحبة‏ مثل خيال مرتبك‏ كان يتراكم ويطغى، ‏ والطرقات أطلقت نهاياتها في الظلمة.‏ لم يعد أحد يفكر بالحب‏ لم يعد أحد يفكر بالفتح،‏ لم يعد أحد أبداً‏ يفكر بأي شيء.‏ في كهوف العزلة ولد العبث‏ ومن الدم انبعثت روائح الأفيون والحشيش‏ النساء الحوامل وضعن أطفالاً بلا رؤوس‏ والمهود ـ لفرط حيائها ـ لاذت بالمقابر.‏ كم هي أيام مرة وسوداء‏ لقد قهر الخبزُ قوّة النبوة العجيبة‏ وها أن الأنبياء ـ جوعى ومساكين ـ‏ يفرون من أرض الميعاد.‏ حملان المسيح الضالة‏ لم تعد تسمع في عمق الوديان، صوتَ‏ الراعي هاتفاً:هَيْ... هَيْ..‏ كأنما الحركات، الألوان والصور‏ انعكست مقلوبة في عيون المرايا،‏ وفوق رؤوس المهرجين السفلة‏ وعلى سحنات العواهر الوقحة‏ ثمة هالة نورانية مقدسة‏ مثل مظلة تحترق.‏ مستنقعات الخمر، ببخارها المزّ السامّ‏ استدرجتْ حشد المثقفين الساكن إلى‏ أعماقها، ‏ والجرذان المؤذية أكلت صفحات الكتب‏ المذهّبة في المكتبات العتيقة.‏ ماتت الشمس‏ ماتت الشمس، وغداً سيكون لها في‏ ذهن الأطفال معنى أبكم وضائع، ‏ إنهم لغرابة هذا اللفظ القديم في‏ واجباتهم المدرسية سيرسمونها‏ بقعة سوداء غليظة‏ الناس‏ الجمع المتهالك من الناس‏ ميتو القلوب‏ المتكئون‏ المنذهلون‏ في ظل وطأة أجسادهم المشؤومة‏ يرتحلون من غربة إلى غربة، ‏ الشهوة المؤلمة للجريمة‏ تتورم على أيديهم.‏ أحياناً‏ شرارة، شرارة بسيطة تجعل هذا‏ الحشد الساكت الفاني‏ يتلاشى بلمح البصر.‏ إنهم يهجمون بعضهم على بعض‏ الرجال بعضهم يقطع بالسكين حلقوم الآخر،‏ وعلى أسرّة من دم‏ يغتصبون العذارى.‏ إنهم غرقى وحشيتهم‏ إحساسهم بالإثم شلّ أرواحهم‏ العمياء الغبية.‏ وَ دائماً.‏ في مراسم الإعدام‏ عندما يضعون حبلاً في عنق المحكوم.‏ وتقفز عيناه المتشنجتان من محجريهما‏ تراهم منزوين في أعماقهم‏ ومن التخيل الشهواني‏ تصعق أعصابهم الشائخة التعبى.‏ ودائماً‏ في أطراف الساحات العامة‏ ترى هؤلاء المجرمين الصغار‏ يقفون وكلهم دهشة‏ من الانسكاب الأبدي لماء النوافير‏ ربما لم يزل وراء العيون المسحوقة‏ في عُمقِ الانجماد‏ ثمة من هو نصف ميت‏ على وشك موت كاذب،‏ وهو في سعيه المحتضر‏ يريد أن يؤمن بنقاء صوت الماء.‏ ربما‏ لكنْ كم هو فراغ لا نهائي هذا.‏ لقد ماتت الشمس‏ وما من أحد عرف بأن تلك الحمامة‏ الحزينة التي فرّت من القلوب‏ اسمها: الإيمان.‏ آه‏ أيها الصوت الحبيس‏ ترى، هل أن عظمة يأسك‏ من لا اتجاه في هذا الليل الضجر‏ سوف تفتح ثقباً إلى النور؟‏ آه‏ أيها الصوت الحبيس‏ يا صوت الأصوات الأخير.‏ * ترجمة: ناطق عزيز - أحمد عبد الحسين مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج) الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

    الكاتب: فروغ فرخزاد / Forugh Farrokhzad

    0المفضلة

    13228 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من فروغ فرخزاد / Forugh Farrokhzad

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • آيات أرضية