ليالي الشمس
Jan 12, 2021 06:29 AM Jan 12, 2021 06:29 AM
1 طيور من الشرق * في سماء قرية عربية فقيرة على أطراف قرطاج العريقة رأيت الطيور المهاجرة متجهة إلى الشمال .. إلى الغابات القاتمة إلى الأعشاش القديمة و المستنقعات الباردة و السماء زرقاء و العين تتعب من التحديق . السرب يعوم في السماء كصف من المحاربين يتبع بعضهم بعضا و يتخلف طير يناغي رفيقته . سأرى هذه الطيور فوق قفار ميزين و بحيرات ميغير الخالية فهي لا تعرف الحدود التي لا حياة لنا بدونها . أفلم يتعقبها هنيبعل على الفيلة المقاتلة زارعاً الرعب في قلب روما فلم تنس جحافل البادية ؟ . . . 3 تحت سماء البادية التي نعرفها من كتاب التكوين سمعت خرير مياه الأردن تصب في البحر . الملح الصخري في كل مكان و التربة مالحة مالحة و زوجة لوط المنحوس تحولت إلى شاخص ملحى من كثرة الدموع . البحر الميت ثقيل مالح حتى آخر قطرة مصيبة فلسطين تصب فيه كمحلول الأملاح . ماء الأردن يجري يمر تحت الجسر المنسوف النهر يندمج بالحدود بالمخفر و حاجز المرور . حط هنا منديل جلبته الريح منديل فلسطينية تحجرت كعمود من الملح عندما تركت منزلها هناك . الحقول الوادعة احترقت من زمان على هذه الضفة و تلك و لا يزدهر إلا الصفصاف الباكي مثل صفصاف روسيا المتهدل الأغصان . . . 6 فلسطينيّة * في الرحاب العربية لا في غابات أنصارنا الشمالية رأيت في عينين لوزيتين غضباً يعتز به الإنسان . يا فلسطينية عيناك تتقدان بالغضب و أنت محرومة من الأسرة و الديار وراحتا يديك قاتمتان من البندقية . فولاذ البندقية الرشاش ليس لأصابع الإناث الرقيقة و لكنك تتطلعين إلى رحاب الصحراء بنظرة عبر شِق التنشين . أفهم حماسكِ بلا كلمات فأنا أيضاً كنت طريداً أبان الحرب و أنا مثلك أعرف ثمن الحريّة 7 ولى ذلك الزمان ملفعاً بالضباب عندما ولدت أفروديت من زبد البحر و خرجت تسير حافية على الرمال . لكن البحر هائج كما كان و الأمواج تحمل إلى الشاطئ أخشاباً و قناني و مازوتاً بدلاً من الأبدان الأنثويّة . الجرائد توشوش تحت الأقدام و يتصاعد دخان المواقد و مراحيض الفنادق الفخمة تزأر على كل سواحل البحر . في هذه البقعة جفّفت أفروديت ضفائرها البليلة و في هذه البقعة ينبش الجرو النفايات و لكن الأمواج تدمدم مع ذلك . و تقول أن الساعة لا ريب فيها و أن الجنس البشري لن يفرح لقدرته وسيتعب من ابتداع أسباب الراحة التي ينبعث منها الدخان الخانق . ستنضب آخر محتويات باطن الأرض و سيتبخر النفط عن آخره و ستُنحر الطبيعة كآخر ضحية على المذبح . و تخرج الإلهة إلى الشاطئ من جديد لكن العالم الغارق في النسيان لا يتذكر أسمها القديم و لا سر ميلادها . . . 10 تارة ظالمون و تارة مظلومون ما الذي يجعل الرياح العالمية ترغمهم على تكرار طريق العودة في حلقة دائرية طريق إعادة توزيع القوى ؟ من الذي حكم عليهم دون رحمة بمرض الأعصاب ؟ لا أحد يقيد حرية الأفئدة و الأتربة محت معالم الطريق كل ما يُطلب من الناس أن يرتبوا مسقط رأسهم ليكون منزلاً و مقبرة ليظل محميّاً من القِدم لا بالدولار و الفانتوم بل بالكلمة و المحراث و الكتف لتولد موسيقى المصير لا من كآبة الأساطير بل من ضجيج العمل و النضال من حفيف السنابل في الحقول . شهداؤنا أكثر من أن يعدوا و لم نضمر العداء و الثأر لأحد و ربما لذلك بالذات صرنا الأمل الوحيد للعالم * مختارات من الشعر السوفييتي - ترجمة عبد الرحمن الخميس و آخرين - دار رادوغا - 1985


الكاتب: ستانيسلاف كونايف / Stanislav Kunayv
0المفضلة
1198 المشاهدات
0 تعليقات