المَذاهِبُ والمُتَمَذهِبُون (البيادر)
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
ميخائيل نعيمه أنتم في عالم مُرهَفِ الظفر والناب، متوتِّر الحسِّ والأعصاب، واسع البطن، ضامر الصدر، حسير البصيرة والبصر، أزغب الفكر والخيال. هو عالم الإنسان المتهالك على الأوشال، وفي قبضته البحار؛ وعلى فِتْر من التراب، وله الأرض بقطبيها؛ وعلى بصيص من النور، والشمس والقمروأنتم من هذا العالم في بقعة صغيرة جرَفتْ إليها الأيَّامُ منذ القِدَم ? وما تزال تجرف ? كلَّ ما اسودَّ من رغبات القلب البشري وما ابيضَّ، وكلَّ ما دبَّ على الأرض من أفكار الناس وحلَّق في الجوِّ من أشواقهم. فكم غازٍ غزاها فتملَّكتْه وما تملَّكها. وكم فاتح جاهي بقعة قلَّ ذهبُها وكثرتْ مذاهبُها ? هذه البقعة التي تدعونها بلادكم. وهناك أشباه العقلاء، وما هم بالعقلاء، الذين يتمنون لو تُعكَس الحال، فتفيض هذه الأرض فضةً وذهبًا، لا لبنًا وعسلاً، وتغيض ينابيعُ إلهامها، فتذوي مذاهبُها وتمسي هشيمًا يَعافُه الحيوانُ والإنسانُ وتحتمي به الفئرانُ والديدان. فهم يقولون إن المال سؤددٌ وسلطان، وقلَّة المال شقاءٌ وخذلان ? وهم لا يعرفون من الغنى غير الغنى بالفلس والدينار، ولا من الفقر إلاَّ الفقر إلى الدار والعقار. أما أن تكون لهم ثروة لا تصدأ ولا تنتن ولا تذوب، وأما أن تكون لهم مذاهب تعلِّمهم أن الغنى بالشيء هو وهناك أشباه الحكماء، وما هم بالحكماء، الذين يرون في كثرة المذاهب كارثة، فيلومون السماء التي ما جعلتْ هذه الأرض منبتًا لشتى المذاهب حتى جعلتْها منبتًا للشفار والنصال ومعقلاً للخصام والنضال؛ فتفرَّقتْ كلمتُها، ولانتْ شكيمتُها، وهانت قيمتُها، فكانت موطئًا لأومن ثمَّ فأشباه الحكماء يقولون إن مذاهب هذه البلاد قد أدَّت بها إلى الخمول والتواكل، والاستسلام والتخاذل؛ فسبقتْها الأممُ التي تتكل على نشاط ساعِدها وقوَّة إرادتها، وتركتْها خلفها أشواطًا لا حول لها ولا طول، ولا رهبة ولا وقار. وكأنَّهم بذلك يقولون إن مَن وهناك أشباه المصلحين، وما هم بالمصلحين، الذين يرتأون توحيد المذاهب لاعتقادهم أن الناس إذا ما توحَّدتْ مذاهبُهم توحَّدتْ قلوبُهم وأفكارُهم، فجَلَتْ عنهم جيوشُ التعصُّب والضغينة وحلَّتْ محلَّها أجنادُ الوئام والسلام. إذن فليوحِّدوا أذواق الناس في كلِّ ما يأوأخيرًا، هناك أشباه المرشدين، وما هم بالمرشدين، القائلون بنبذ التعصب وهم من المتعصبين، والكارزون بالتساهل وليسوا من المتساهلين. وهم يعنون بـ"التعصُّب" تعلُّق الإنسان بمذهبه تعلُّقًا يحمله على كُره كلِّ ذي مذهب سواه؛ وهم يقصدون بـ"التساهل" أن يغضَّ الواحدُأما فلسفة "التساهل" فأعيذكم منها إن كنتم من المؤمنين. فأنتم عندما "تتساهلون" مع الناس ? إنْ في عقيدة أو ذوق أو شعور ? فكأنَّكم تقلِّدونهم جميلاً، متكرِّمين عليهم بحقٍّ ليس لهم، وواضعين أنفسكم في مرتبة أعلى منهم؛ وكأنَّكم بذلك تقولون لهم: "نحن على هدى وأنتحذارِ، يا صاحبي، أن تجعل نفسك أكرم من الله، وأعلم منه بذاته، وأعدل منه في خلقه. فهو قد أهَّلني لأحمل صورته ومثاله، ولأمتِّع روحي بجمال أكوانه؛ وقد بَسَطَ أمامي خيراتِ الأرض، وسَكَبَ عليَّ بركاتِ السماء، وما منَّنني يومًا بعطية. وأنتَ، مَن أنت لتحجبه عني، إن يكن مذهبي نتانةً في أنفك وقذًى في عينك، فهو ليس كذلك في أنف الحياة وعينها ? وإلاَّ لما جادت عليَّ بذاتها. وإذن أنت عندما تضطهدني إنَّما تضطهد الحياةَ التي هي أمك وأمي وأبوك وأبي، وتجعل نفسَك أعلم منها بذاتها، وأعدل منها في بنيها. ولعلك، يا صاحبي، لو تفلا. لا، يا صاحبي. خذْ "تساهلك" عني! فحقِّي أن أسلك إلى خالقي السبيلَ الذي يهديني إليه خيالي، لم يأتِني من قبضتك ولا من حدِّ سيفك. وإذا ما شئتَ أن تعطيني شيئًا، أو أن تأخذ مني شيئًا، فأعطِني محبتك وخذ محبتي: فأنا أحوج إلى محبتك منِّي إلى تساهلك، وأنت أحوج قال أحدهم: "دعوني أنظُم أناشيد الشعب ولا همَّ لي من بعد ذلك مَن يسنُّ شرائعه." ولو أنَّه قال: "دعوني أنظُم صلواتِ الناس ولا همَّ لي من بعد ذلك مَن يسوسهم"، لجاء بحقيقة أسمى وأروع من تلك. فالناس، مهما تنوَّعت ملاهيهم، من علوم وفنون، واختراعات واكتشافات، وموأنتم، يا أبناء هذه البقعة الصغيرة من الأرض، أما كفاكم مجدًا ? إن كنتم للمجد طالبين! ? أن بلادكم نَظَمَتْ صلواتِ نصف سكان الأرض، فأعطت أفكارَهم أجنحةً وقلوبَهم ألسنة، وطافت بهم الأزليَّة والأبدية، وسَمَتْ بأرواحهم إلى عرش السناء الأسمى؟ أم ما كفاكم فخرًا فكيف لا تخجلون من بعد ذلك أن تحسدوا غيركم وتقلِّدوه، وأن تحتقروا أنفسكم وتكبروه؟ أم كيف تتبرَّمون بمذاهبكم، وهي تراثكم الأثمن وتراث الناس أجمعين؟ ألا فتشوا مذاهبكم بإخلاص. فتِّشوها بلهفة العاشق. فتشوها بطهارة الطفل، وحرقة التائه، وإيمان المحتضر، تجدوا فيها السلامَ الذي إليه تطمحون، والطمأنينةَ التي بها تحلمون، والحريةَ التي باسمها تترنَّمون. *** *** ***


الكاتب: ميخائيل نعيمة
0المفضلة
75872 المشاهدات
0 تعليقات