• من مقالة : العولمة، تصورات ومواقف

    في بدية التسعينات من القرن الماضي، عندما كان الترويج للعولمة في بدايته، كتبت سلسلة مقالات في إحدى الجرائد (نشرتُها فيما بعد بعنوان "العولمة: نظام وإيديولوجيا" ضمن كتابي : "قضايا في الفكر المعاصر". وفي سنة 1996 طلب مني البنك الدولي المساهمة بورقة بعنوان "امن القضايا التي تشغل الرأي العام العربي في الظرف الراهن ((14 أكتوبر 1996)، مثقفين ورجال أعمال ومسئولين وغيرهم، قضية ما يسمى اليوم بـ"العولمة". ومع أن هذا المفهوم مازال غير واضح، لا من الناحية النظرية ولا من الناحية العملية التطبيقية، فإنه يمكن مع ذلك رصد فالتيارات الإسلامية، المعتدلة منها والمتطرفة، سواء في مشرق الوطن العربي أو مغربه، تعتبر "العولمة" نظاما يقف حائلا دون قيام "النظام الإسلامي" الذي تطمح إلى تحقيقه، إن لم يكن "مؤامرة" ضده. وهذا مفهوم! أما التيار القومي واليساري في المشرق العربي، على اختلافوهكذا يمكن القول، على العموم، إنه يصعب جدا العثور في الوقت الراهن، على وجهات نظر في الساحة العربية، ترحب بـ"العولمة" أو تدافع عنها أو تبرز مزاياها. ومن هنا يجد الباحث نفسه مضطرا إلى الاقتصار على عرض العناصر الرئيسية التي تركز عليها الاتجاهات التي تعارض أو*** بداية، يمكن للمرء أن يلاحظ أن مصطلح "العولمة" ظهر، أول ما ظهر، في مجال المال والتجارة والاقتصاد. غير أنه سرعان ما خرج عن هذا النطاق الضيق. فالعولمة الآن يجري الحديث عنها بوصفها نظاما أو نسقا ذا أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد. العولمة الآن نظام عالمي، أو يراد لعل أكثر التصورات شيوعا عن مفهوم "العولمة" Globalisation, Mondialisation, أنها تعني جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة. والمحدود هنا هو أساسا الدولة القومية التي تتميز بحدود جغرافية وبمراقبة صارمة وبما أن هذا المفهوم ظهر، أول ما ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية -وهو يفيد في معناه اللغوي تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل- فقد بات من السهل النظر إلى "الدعوة إلى العولمة"، بهذا المعنى، من زاوية أن الأمر يتعلق بالدعوة إلى توسيع النموذج الأمريكي وفسحوبالنظر لما تقدم تبرز أمثلة ومقارنات تفرض نفسها: لقد كان ينظر إلى الاستعمار الذي اكتسح العالم في النصف الثاني من القرن الماضي وأوائل هذا القرن على أنه أعلى مراحل الرأسمالية "التقليدية" التي أفرزتها الثورة الصناعية في أوربا، فهل تعني "العولمة" اليوم ما كانوإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كان من بين أبعاد العولمة هذا الطابع الذي يقوم على التوسع والهيمنة، فماذا عسى أن تكون آثارها على البلدان التي لم تتخلص بعد من بقايا الاستعمار القديم ورواسبه، البلدان التي تطمح إلى بناء دولتها الوطنية واستكمال التحرر وتحقيق التنم تلك هي الأسئلة الرئيسية والأساسية التي تفرض نفسها في إطار هذا النوع من التصور لما يدعى اليوم بـ"العولمة"، فلنعمق النظر فيها قليلا.

    الكاتب: محمّد عابد الجابري

    1المفضلة

    20160 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من محمّد عابد الجابري

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من مقالة : العولمة، تصورات ومواقف