• من رواية : رجال في الشمس .

    " ها هو إذن الشط الذي تحدث عنه الأستاذ سليم قبل عشر سنوات ! ها هو ذا يرتمي على بعد آلاف من الأميال والأيام عن قريته وعن مدرسة الأستاذ سليم.. يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم !.. يا رحمة الله عليك ! لا شك أنك ذا حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل ليلة واحدة مننهض، واستند إلى الأرض بكوعيه وعاد ينظر إلى النهر الكبير كأنه لم يره قبل ذلك. إذن هذا هو شط العرب: " نهر كبير تسير فيه البواخر محملة بالتمر والقش كأنه شارع في وسط البلد تسير فيه السيارات.. " هكذا صاح ابنه، قيس، بسرعة حين سألة تلك الليلة: - " ما هو شط العرب؟ " كان يقصد أن يمتحنه، إلا أن قيس صاح الجواب بسرعة، وأردف قائلا: - ".. لقد رأيتك تطل من شباك الصف اليوم.. " التفت إلى زوجه فضحكت، أحس بشيء من الخجل، وقال ببطء: - " إنني أعرف ذلك من قبل.. " - " كلا، لم تكن تعرفه.. عرفته اليوم وأنت تطل من الشباك.. " - " طيب ! وماذا يهمني أن أعرف ذلك أو أن لا أعرفه، هل ستقوم القيامة؟ " رمقته زوجته من طرف عينيها ثم قالت: - " اذهب والعب يا قيس في الغرفة الأخرى... " وحين صفق الباب خلفه قالت لزوجها: - " لا تحكي أمامه بهذا الشكل، الولد مبسوط لأنه يعرف ذلك، لماذا تخيب أمله؟ " قام واقترب منها ثم وضع كفه على بطنها وهمس: - " متى ؟ " -" بعد سبعة أشهر " - " أوف !" - " نريد بنتا هذه المرة.. " - " كلا ! نريد صبياً ! صبياً ! " *** ولكنها أنجبت بنتاً سماها "حسنا " ماتت بعد شهرين من ولادتها وقال الطبيب مشمئزاً: " لقد كانت نحيلة للغاية ! " كان ذلك بعد شهر من تركه قريته ، في بيت عتيق يقع في قرية أخرى بعيدة عن خط القتال : - " يا أبا قيس، أحس بأنني سألد ! " - " طيب، طيب، اهدئي " وقال في ذات نفسه : وربما نبني غرفة في مكان ما .. - " بودي لو تلد المرأة بعد مئة شهر من الحمل ! أهذا وقت ولادة ؟ " - " يا إلهي ! " - " ماذا؟ " - " سألد " - " أأنادي شخصاً ؟ " - " أم عمر" - " أين أجدها الآن؟ " - " ناولني هذه الوسادة.." - " أين أجد أم عمر؟ " - " يا إلهي.. ارفعني قليلا، دعني أتكىء على الحائط.. " - " لا تتحركي كثيراً، دعيني أنادي أم عمر.. " - " أسرع... أسرع.. يا رب الكون ! " هرول إلى الخارج، وحين صفق وراءه الباب سمع صوت الوليد، فعاد وألصق أذنه فوق خشب الباب.. صوت الشط يهدر، والبحارة يتصايحون، والسماء تتوهج والطائر الأسود ما زال يحوم على غير هدى. قام ونفض التراب عن ملابسه ووقف يحدق إلى النهر.. أحس، أكثر من أي وقت مضى، بأنه غريب وصغير، مرر كفه فوق ذقنه الخشنة ونفض عن رأسه كل الأفكار التي تجمعت كجيوش زاحمة من النمل. وراء هذا الشط، وراءه فقط ، توجد كل الأشياء التي حرمها. هناك توجد الكويت.. الشيء الذي لم يعش في ذهنه إلا مثل الحلم والتصور يوجد هناك.. لا بد أنها شيء موجود، من حجر وتراب وماء وسماء، وليست مثلما تهوم في رأسه المكدود.. لا بد أن ثمة أزقة وشوارع ورجالاً ونساء وصغاراً يركضون بين الأشجار.. لا.. لا.. لا توجد أشجار هلوبقيت مقعيا حتى جاءك سعد وأخذ يهزك مثلما يهز الحليب ليصير زبداً.. " - " إذا وصلت إلى الشر بوسعك أن تصل إلى الكويت بسهولة، البصرة مليئة بالأدلاء الذين يتولون تهريبك إلى هناك عبر الصحراء.. لماذا لا تذهب؟ " سمعت زوجته كلام سعد فنقلت بصرها بين وجهيهما وأخذت تهدهد طفلها من جديد. - " إنها مغامرة غير مأمونة العواقب؟ " - " غير مأمونة العواقب؟ ها ! ها ! أبو قيس يقول، غير مأمونة العواقب.. ها ها " ! ثم نظر إليها وقال: - " أسمعت ما يقول زوجك؟ غير مأمونة العواقب ! كأن الحياة شربة لبن ! لماذا لا يفعل مثلنا ؟ هل هو أحسن؟.. لم ترفع بصرها إليه، وكان هو يرجو أن لا تفعل.. - " أتعجبك هذه الحياة هنا؟ لقد مرت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ.. حرام ! ابنك قيس، متى سيعود للمدرسة؟ وغدا سوف يكبر الآخر.. كيف ستنظر إليه وأنت لم... " - " طيب ! كفى ! " - لا ! لم يكف ! حرام ! أنت مسؤول الآن عن عائلة كبيرة، لماذا لا تذهب إلى هناك . ما رأيك أنت ؟ زوجته ما زالت صامتة وفكر هو: " غدا سيكبر هو الآخر.. " ولكنه قال: - " الطريق طويلة، وأنا رجل عجوز ليس بوسعي أن أسير كما سرتم أنتم.. قد أموت .. " لم يتكلم أحد في الغرفة زوجته ما زالت تهدهد طفلها ، وكف سعد عن الإلحاح ولكن الصوت ! انفجر في رأسه هو : - " تموت؟ هيه ! من قال أن ذلك ليس أفضل من حياتك الآن ؟ منذ عشر سنوات وأنت تأمل أن تعود إلى شجرات الزيتون العشر التي امتلكتها مرة في قريتك... قريتك ! هيه ! " عاد فنظر إلى زوجته : - " وماذا ترين يا أم قيس؟ " حدقت إليه وهمست: " كما ترى أنت.. " " سيكون بوسعنا أن نعلم قيس.. " - " نعم " .. - " وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين.. " - " طبعاً ! " - " وربما نبني غرفة في مكان ما.." - " أجل " - " إذا وصلت.. إذا وصلت.." كف، ونظر قليلا ثم ستنساب دمعة واحدة تكبر رويداً رويداً ثم تنزلق فوق خدها المغضن الأسمر.. حاول أن يقول شيئاً، ولكنه لم يستطع، كانت غصة دامعة تمزق حلقه.. غصة ذاق مثلها تماما حين وصل إلى البصرة وذهب إلى دكان الرجل السمين الذي يعمل في تهريب الناس من البصرة إل- " إنها رحلة صعبة، أقول لك، ستكلفك خمسة عشر ديناراً ". - " وهل تضمن أننا سنصل سالمين؟ - " طبعاً ستصل سالماً، ولكن ستتعذب قليلا، أنت تعرف، نحن في آب الآن، الحر شديد والصحراء مكان بلا ظل.. ولكنك ستصل.." كانت الغصة ما تزال في حلقه، ولكنه أحس أنه إذا ما أجل ذلك الذي سيقوله فلن يكون بوسعه أن يلفظه مرة أخرى: - " لقد سافرت آلافا من الأميال كي أصل إليك، لقد أرسلني سعد، أتذكره؟ ولكنني لا أملك إلا خمسة عشر ديناراً، ما رأيك أن تأخذ منها عشرة وتترك الباقي لي؟ " قاطعه الرجل: - " إننا لا نلعب.. ألم يقل لك صديقك أن السعر محدود هنا؟ إننا نضحي بحياة الدليل من أجلكم.. " - " ونحن أيضا نضحي بحياتنا.. " - " إنني لا أجبرك على هذا " - " عشرة دنانير؟ " - " خمسة عشر ديناراً.. ألا تسمع؟ " لم يعد بوسعه أن يكمل، كان الرجل السمين الجالس وراء كرسيه، المتصبب عرقاً، يحدق إليه بعينين واسعتين وتمني هو لو يكف الرجل عن التحديق، ثم أحس بها، ساخنة تملأ مؤقه وعلى وشك أن تسقط.. أراد أن يقول شيئاً لكنه لم يستطع، أحس أن رأسه كله قد امتلأ بالدمع من الداخل

    الكاتب: غسان كنفاني

    0المفضلة

    55525 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من غسان كنفاني

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من رواية : رجال في الشمس .