• من كتاب المثل الثائر في أدب الكاتب والشاعر

    الفصل الثالث في الحكم على المعاني وفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها وصاحب هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه بخلاف غيرهما من هذه الفصول المذكورة لا سيما مفسري الأشعار فإنهم به أعنى‏.‏ واعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهره لفظه ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وثيابك فطهر ‏}‏ فالظاهر من لفظ الثياب هو ما يلبس ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب لا الملبوس وهذا لا بد له من دليل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ وكذلك ورد وأما التأويل فإنه أحد قسمي التفسير وذاك أنه رجوع عن ظاهر اللفظ وهو مشتق من الأول وهو الرجوع يقال‏:‏ آل يؤل إذا رجع وعلى هذا فإن التأويل خاص والتفسير عام فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلاً ولهذا يقال‏:‏ تفسير القرآن ومن تفسيره ظاهر وباطن وهذا الفصل الذيولا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام‏:‏ إما أن يفهم منه شيء واحد لا يحتمل غيره وإما أن يفهم منه الشيء وغيره وتلك الغيرية‏:‏ إما أن تكون ضداً أو لا تكون ضداً وليس لنا قسم رابع‏.‏ فالأول يقع عليه أكثر الأشعار ولا يجري في الدقة واللطافة مجرى القسمين الآخرين‏.‏ وأما القسم الثاني‏:‏ فإنه قليل الوقوع جداً وهو من أظرف التأويلات المعنوية لأن دلالة اللفظ على المعنى وضده أغرب من دلالته على المعنى وغيره مما ليس بضده فمما جاء منه قول النبي صلى الله عليه وسلم صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ في غيره من المساجد إلا الومثله ورد في الحديث النبوي أيضاً وذلك أنه ذكر شريح الحضرمي عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ لا يتوسد القرآن ‏"‏ وهذا يحتمل مدحاً وذماً أما المدح فالمراد به أنه لا ينام الليل عن القرآن فيكون القرآن متوسداً معه لم يتهجد به وأما الذم فالمراد به أنه لوكثيراً ما يرد أمثال ذلك في الأحاديث النبوية‏.‏ ويجري على هذا النهج من الشعر قول أبي الطيب في قصيدة يمدح بها كافوراً‏:‏ وأظلم أهل الظلم من بات حاسداً لمن بات في نعمائه يتقلب وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان‏:‏ أحدهما أن المنعم عليه يحسد المنعم والآخر‏:‏ أن المنعم يحسد المنعم عليه‏.‏ وكذلك ورد قوله أيضاً من قصيدة يمدحه‏:‏ فإن هذا البيت يحتمل مدحاً وذماً وإذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه يكون بالذم أولى منه بالمدح لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد والشذوذ وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية وقد أجيب بلفظة رب التي معناها التقليل‏:‏ أي لست وكثيراً ما كان يقصد المتنبي هذا القسم في شعره كقوله من قصيدة أولها‏:‏ عدوك مذمومٌ بكل لسان ولو كان من أعدائك القمران ولله سرٌ في علاك وإنما كلام العدا ضربٌ من الهذيان ثم قال‏:‏ فما لك تعنى بالأسنة والقنا وجدك طعان بغير سنان فإن هذا بالذم أشبه منه بالمدح لوحكى أبو الفتح بن جني قال‏:‏ قرأت على أبي الطيب ديوانه إلى أن وصلت إلى قصيدته التي أغالب فيك الشوق والشوق أغلب فأتيت منها على هذا البيت وهو‏:‏ وما طربي لما رأيتك بدعةٌ لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب فقلت له يا أبا الطيب لم تزد على أن جعلته أبا رنة فضحك لقولي‏وهذا القسم من الكلام يسمى الموجه‏:‏ أي له وجهان وهو مما يدل على براعة الشاعر وحسن تأتيه‏.‏ وأم القسم الثالث فإنه يكون أكثر وقوعاً من القسم الثاني وهو واسطة بين طرفين لأن القسم الأول كثير الوقوع والقسم الثاني قليل الوقوع وهذا القسم الثالث وسط بينهما‏.‏ فمما جاء منه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ ولا تقتلوا أنفسكم ‏}‏ فإن هذا له وجهان من التأويل‏:‏ أحدهما القتل الحقيقي الذي هو معروف والآخر هو القتل المجازي وهو الإكباب على المعاصي فإن الإنسان إذا أكب على المعاصي قتل نفسه في الآخرة‏.‏ ومن ذلك ما ورد في قصة إبراهيم وذبح ولده عليهما السلام فقال الله تعالى حكاية عنه ‏"‏ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين‏.‏ فبشرناه بغلامٍ حليمٍ‏.‏ فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين‏.‏ فلما أسلما وتله للجبين‏.‏ وناديناه أن يإبراهيم‏.‏ قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين‏.‏ إن هذا لهو البلاء المبين‏.‏ وفدينوتركنا عليه في الآخرين سلامٌ على إبراهيم‏.‏ كذلك نجزي المحسنين‏.‏ إنه من عبادنا المؤمنين‏.‏وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين ‏"‏ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين ‏}‏ قد يكون بشارة بنبوته بعد البشارة بميلاده وقد يكون استئنافاً بذكره بعد ذومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه‏:‏ ‏"‏ أطولكن يداً أسرعكن لحوقاً بي ‏"‏ فلما مات صلوات الله عليه جعلن يطاولن بين أيديهن حتى ينظرن أيتهن أطول يداً ثم كانت زينب أسرعهن لحوقاً به وكانت كثيرة الصدقة فعلمن حينئذ أنه لم يرد الجارحة وإنما أراد الصدقومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال‏:‏ خدمت رسول الله عشر سنين فلم يقل لشيءٍ فعلته لم فعلته ولا لشيءٍ لم أفعله لم لا فعلته وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل‏:‏ أحدهما وصف رسول الله ‏)‏بالصبر على خلق من يصحبه والآخر أنه وصف نفسه بالفطنة والذومن ذلك ما ورد في الأدعية النبوية فإنه ‏)‏دعا على رجل من المشركين فقال‏:‏ ‏"‏ اللهم اقطع أثره ‏"‏ وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل‏:‏ الأول أنه دعا عليه بالزمانة لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي على الأرض فينقطع حينئذ أثره الوجه الثاني‏:‏ أنه دعا عليه بأن لوظفرت الحرورية برجل فقالوا له‏:‏ ابرأ من علي وعثمان فقال‏:‏ أنا من علي ومن عثمان أبرأ فهذا يدل على معنيين أحدهما أنه بريء من عثمان وحده والآخر‏:‏ أنه بريء منهما جميعا والرجل لم يرد إلا الوجه الأول‏.‏ ومن ذلك ما يحكى عن عبد المسيح بن بقيلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على الحيرة وذاك أنه خرج إليه عبد المسيح بن بقيلة فلما مثل بين يديه قال‏:‏ انعم صباحاً أيها الملك فقال له خالد‏:‏ قد أغنانا الله عن تحيتك هذه بسلام عليكم ثم قال له‏:‏ من أين أقصي أثرك قال‏:‏وقد ورد في التوراة أن لا يؤكل الجدي بلبن أمه وهذا يحتمل التحريم في وجهين‏:‏ أحدهما ما دل عليه ظاهر لفظه وهو تحريم لحم الجدي بلبن أمه خاصة وإذا أكل بلبن غير لبن أمه جاز ذلك ولم يكن حراماً وهذا لا يؤخذ به أحد من اليهود والوجه الآخر وهو الذي يأخذ به عند اليهومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن أفلاطون أنه قال‏:‏ ترك الدواء دواء فذهب بعض الأطباء أنه أراد‏:‏ إن لطف المزاج وانتهى إلى غاية لا يحتمل الدواء فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك الوضع‏:‏ أي وضع الدواء على الداء دواء يشير بذلك إومثله في الشعر قول الفرزدق‏:‏ إذا جعفر مرت على هضبة الحمى فقد أخزت الأحياء منها قبورها وهذا يدل على معنيين‏:‏ أحدهما‏:‏ ذم الأحياء والآخر‏:‏ ذم الأموات أما ذم الأحياء فهو أنهم خذلوا الأموات يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقوماً آخرين ففر الأحياء عنهم وأسلموهموعلى هذا ورد قول أبي تمام‏:‏ بالشعر طولٌ إذا اصطكت قصائده في معشرٍ وبه عن معشرٍ قصر فهذا البيت يحتمل تأويلين‏:‏ أحدهما أن الشعر يتسع مجاله بمدحك ويضيق بمدح غيرك يريد بذلك أن مآثره كثيرة ومآثر غيره قليلة والآخر‏:‏ أن الشعر يكون ذا فخر ونباهة بمدحك وذا خمولعجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر وهذا يحتمل وجهين من التأويل‏:‏ أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضي الأوقات مدة الوصال فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون والبطء والآخر أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشاومن الدقيق المعني في هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة من جملة قصيدته التي أولها‏:‏ أوه بديلٌ من قولتي واها فقال‏:‏ لو فطنت خيله لنائله لم يرضها أن تراه يرضاها وهذا يستنبط منه معنيان غيران‏:‏ أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه لأن عطاياه أنفسوهذا الذي أشرت إليه من الكلام على المعاني وتأويلاتها كافٍ لمن عنده ذوق وله قوة على حملها على أشباهها ونظائرها‏.‏

    الكاتب: ابن الأثير

    0المفضلة

    19635 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من ابن الأثير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من كتاب المثل الثائر في أدب الكاتب والشاعر