المقامة المعَرّيَّة ( الحريري )
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
أخبرَ الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: رأيتُ منْ أعاجيبِ الزّمانِ. أن تقدّم خَصْمانِ. الى قاضي مَعرّةِ النّعمانِ. أحدُهُما قدْ ذهَبَ منْهُ الأطْيَبانِ. والآخَرُ كأنّهُ قَضيبُ البانِ. فقال الشيخُ: أيّدَ اللهُ القاضيَ. كما أيّدَ بهِ المُتقاضيَ. إنّهُ كانَتْ لي مَمأعارني إبرَةً لأرفـوَ أطْـمـا راً عَفاها البِلـى وسـوّدَهـا فانخرَمَتْ في يَدي على خطَـإٍ منّيَ لمّا جذَبْتُ مِـقـوَدَهـا فلمْ ير الشيخُ أن يُسامِحَـنـي بإرْشِـهـا إذْ رأى تـأوُّدَهـا بلْ قال هاتِ إبرَةً تُماثِـلُـهـا أو قيمَةً بعْدَ أن تـجـوّدَهـا واعْتاقَ ميلي رَهْناً لـدَيْهِ ونـا هيكَ بـه سُـبّةً تَـزوّدَهــا فالعينُ مَرْهَى لرَهْـنِـه ويدي تقصُرُ عنْ أن تفُكّ مِروَدَهـا فاسبُرْ بذا الشّرْحِ غوْرَ مسكَنتي وارْثِ لمنْ لم يكُنْ تعـوّدَهـا فأقبلَ القاضي على الشيخِ وقال: إيهٍ. بغَيرِ تمْويهٍ! فقال: أقسَمْتُ بالمَشْعَرِ الحَرامِ ومنْ ضمّ منَ الناسِكينَ خَيْفُ مِنى لوْ ساعَفَتْني الأيّامُ لمْ يرَنـي مُرتَهِناً مِيلَهُ الذي رَهَـنـا ولا تصدّيتُ أبتَـغـي بـدَلاً منْ إبرَةٍ غالَها ولا ثَمَـنـا لكِنّ قوْسَ الخُطوبِ ترْشِقُني بمُصْمِياتٍ منْ هاهُنا وهُنـا وخُبْرُ حالي كخُبْرِ حالـتِـهِ ضُرّاً وبؤساً وغُربَةً وضَنى قد عدَلَ الدهْرُ بينَنـا فـأنـا نظيرُهُ في الشّقاء وهْوَ أنـا لا هُوَ يسْطيعُ فـكّ مِـروَدِهِ لمّا غدا في يَدَيّ مُرتَهَـنـا ولا مَجالي لِضيقِ ذاتِ يَدي فيهِ اتّساعٌ للعَفْوِ حينَ جَنـى فهَذِهِ قصّتـي وقـصّـتُـه فانْظُرْ إلَيْنا وبينَنـا ولَـنـا فلمّا وعَى القاضي قَصَصهُما. وتبيّنَ خَصاصَتَهُما وتخَصُّصَهُما. أبرَزَ لهُما ديناراً منْ تحْتِ مُصَلاُّه. وقال لهُما: اقْطَعا بهِ الخِصامَ وافِصلاهُ. فتلقّفَهُ الشيخُ دونَ الحدَثِ. واستَخلَصَهُ على وجهِ الجِدِّ لا العبَثِ. وقال للحدَثِ: نِصْفُه لي بسَهْمأنا السَّروجـيُّ وهـذا ولَـدي والشّبْلُ في المَخْبَرِ مثلُ الأسَدِ ومـا تـعــدّتْ يدُهُ ولا يَدي في إبرَةٍ يوْماً ولا في مِـرْوَدِ وإنّما الدهرُ المُسيءُ المُعْتَـدي مالَ بِنا حتى غدَوْناً نجْـتَـدي كلَّ نَدي الرّاحةِ عذْبِ المَـوْرِدِ وكلَّ جعْدِ الكفّ مغْلولَ الـيَدِ بكُلّ فنٍ وبـكـلّ مـقْـصَـدِ بالجِدّ إنْ أجْـدَى وإلاّ بـالـدَّدِ لنَجلِبَ الرّشْحَ الى الحظّ الصّدي ونُنْفِدَ العُمْرَ بـعـيشٍ أنْـكَـدِ والموتُ منْ بعْدُ لَنا بالمَرصَـدِ إنْ لمْ يُفاجِ اليومَ فاجَى في غَدِ فقال لهُ القاضي: للهِ دَرُّكَ فما أعذَبَ نفَثاتِ فيكَ. وواهاً لكَ لوْلا خِداعٌ فيكَ! وإني لكَ لمِنَ المُنْذِرِينَ. وعليْكَ منَ الحَذِرينَ. فلا تُماكِرْ بعْدَها الحاكِمينَ. واتّقِ سَطْوَةَ المُتحكّمينَ. فما كُلّ مُسيْطِرٍ يُقيلُ. ولا كُلّ أوانٍ يُسْمَعُ ال


الكاتب: الحريري
0المفضلة
7371 المشاهدات
0 تعليقات