• رسالة في البخل لسهل بن هارون

    بسم الله الرحمن الرحيم أصلح الله أمركم , وجمع شملكم , وعلمكم الخير , وجعلكم من أهله. قال الأحنف بن قيس: يا معشر بني تميم لا تسرعوا إلى الفتنة فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار ؛ وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عّياباً فإنه يعيب بفضل ما فيه من العيب, وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب, وقبيح أن تنهى عن مرشد أو تثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم وشهرنا به في الآفاق دونكم, فما أحقكم في تقديم حرمتنا بكم أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم وتنبيهنا على ذكر العيوب براً وفضلاً لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلاً, وإن من أعظم الشقوة وأبعد من السعادة أعبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميراً كما أجدته فطيراً ليكون أطيب لطعمه وأزيد في ريعه ؛ وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ورحمه - لأهله: أملكوا العجين فإنه أريع الطحنتين. وعبتم علّيَ قولي: من لم يعرف مواقع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواقع الاقتصاد في الممتنع الغالي؛ فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدل حجمها على مبلغ الكفاية وأشف من الكفاية, فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء , وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء , وجدتوعبتموني حين ختمت على سد عظيم وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن رطبة غريبة على عبد نهم , وصبي جشع , وأمة لكعاء , وزوجة خرقاء؛ وليس من أصل الأدب, ولا في ترتيب الحكم , ولا في عادات القادة , ولا في تدبير السادة أن يستوي في نفيس المأكول وغريب المشروب وثمين الموعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في الرق فزد في الإنضاج لتجمع بين التأدم باللحم والمرق ولتجمع مع الإرتفاق بالمرق الطيب , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا طبختم لحماً فزيدوا في الماء فإن لم يصب أحدكم لحماً أصاب مرقاً ". وعبتموني بخصف النعال وبتصدير القميص وحين زعمت أن المخصوفة أبقى وأوطأ وأوقى وأنفى للكبر وأشبه بالنسك وأن الترقيع من الحزم وأن الاجتماع مع الحفظ وأن التفرق مع التصنيع, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ويرقع ثوبه, ولقد لفقت سعدى بنت عواف إزار طلحة وعبتموني حين قلت: لا يغترن أحد بطول عمره وتقيس ظهره ورقة عظمه ووهن قوته أن يرى أكرومته ولا يحرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه وتحويله إلى ملك غيره وإلى تحكيم السرف فيه وتسليط الشهوات عليه فلعله أن يكون معمراً وهو لا يدري وممدوداً له في السن وهو لا يشعر, ولعوقلت لكم بالشفقة مني عليكم وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم ولما يجب في جواركم وفي ممالحتكم وملابستكم: أنتم في دار الآفات والجوائح غير مأمونات حنيفة من طريق فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلى بقية فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة حنيفة من طريق فإن البلية لوقلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى سكراً وإن للمال لنزوةً, فمن لم يحفظ الغنى من سكر العنى فقد أضاعه ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله, فعبتموني بذلك, وقال زيد بن جبلة: ليس أحد أفقر من غني أمن الفقر, وسكر الغنى أشد من سكر الخمر. وقلتم: قد لزم الحث على الحقوق والتزهيد في الفضول حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره بعد رسائله وفي خطبه بعد سائر كلامه, فمن ذلك قوله في يحيى بن خالد: عدو تلاد المال فيما ينوبه ** منوع إذا ما منعه كان أحزما .. ومن ذلك قوله في محمد بن زياد: وخليقتان: تقى وفضلُ تحرمٍ ** وإهانة في حقه للمالِ .. وعبتموني حين زعمت أني أقدم المال على العلم لأن المال به يغاث العالم وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضيلة العلم وأن الأصل أحق بالتفضيل من الفرع وأني قلت: وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس فإنا بالكفاية نستبين وبالخلة نعمى, وقلتم: وكيف تقول هذا وقد قيل لرئيس الحكموعبتموني حين قلت: إن فضل الغني على القوت إنما هو كفضل الآلة حنيفة الدار إن احتيج إليها استعملت وإن استغنى عنها كانت عدة, وقد قال الحضين بن المنذر: وددت أن لي مثل أحد ذهباً لا أنتفع منه بشيء, قيل: فما ينفعك من ذلك قال: لكثرة من يخدمني عليه, وقال أيضاً: عليولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم الخلفاء وتأديب الحكماء لأصحاب الأهواء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج, وقال: " درهمك لمعاشك ودينك لمعادك ", فقسموا الأمور كلها على الدين والدنيا, ثم جعلوا أحد قسمي الجميع الدرهم, وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إني لأبغض أهل البيت ينفقون رز

    الكاتب: سهل بن هارون

    0المفضلة

    15835 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من سهل بن هارون

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • رسالة في البخل لسهل بن هارون