من كتاب: النقد الثقافي (1)
Jan 13, 2021 07:32 AM Jan 13, 2021 07:32 AM
. المتنبي مبدع عظيم أم شحاد عظيم ؟ أم هو الاثنان معاً؟ وهل في ثقافتنا علة أو علل نسقية تجعلها خطاباً منافقاً ومزيفاً، غير واقعي وغير حقيقي وغير عقلاني ؟ وهل الشعراء مسؤولون عن ذلك؟ وهل صورة (الأنا) الطاغية صيغة متجذرة وأصيلة أم أنها اختراع شعري تسرب إلى سائر الخطابات والسلوكيات؟ الواقع أننا لا نوجه سؤالاً خاصاً، بل إن السؤال يتجه إلى النسق الثقافي العربي كله، وهو نسق كان الشعر ومازال هو الفاعل الأخطر في تكوينه أولاً وفي ديمومته ثانياً. وفي الشعر العربي جمال وأي جمال، ولكنه أيضاً ينطوي على عيوب نسقية خطيرة جداً، نزعم هنا أنها كانت السبب وراء عيوب الشخصية العربية ذاتها، فشخصية الشحاذ والكذاب والمنافق والطماع، من جهة، وشخصية الفرد المتوحد فحل الفحول ذي الأنا المتضخمة النافية للآخر، من جهة وإن كنا قد صرفنا قروناً من الإعجاب والاستمتاع بالشعر العربي، وحق لنا إذ نفعل، وهو فعلاً شعر عظيم ولا شك، غير أن جمالياته العظيمة تخبئ قبحيات عظيمة أيضاً. وليس من شك في أن الشعر هو أهم المقومات التأسيسية للشخصية العربية، ورثنا حسناته ووريثنا سيئاته. وفي بح1-2 ومنذ البدء كان هناك تصور مزدوج للشعر، حيث ظل يظهر على صورتين متناقضتين، إحداهما تعليه وتمجده والأخرى تزهد فيه وتقلل من شأنه، وظل الشعر بين هاتين الصورتين وكأنما هو العزيز / الحقير، أو الأمير/ العبد. ولقد ورد في الأثر الشريف في حديث عن الرسول (ص) بأنه قال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريهُ خير من أن يمتلئ شعراً . وهذا أول موقف مضاد للشعر، إذ أن ثقافة العصر الجاهلي ما كانت لتقف ضد الشعر، مما يجعل السؤال المضاد للشعر سؤالاً إسلامياً من حيث المبدأ. ولهذا الموقف أثر في الخطاب الثقافي والتدويني، إذ نلمح لدى الجاحظ ما يشير إلى أنه يقيم علاقة بين مقولة عبيد الشعر، لا على أنها تدل على الصنعة فحسب، بل لتدل أيضاً على رابطة الشعر والشحاذة(2). والشعر مزلة العقول في رأي آخرين (3)، مثلما أنه أدنى مروءة السري، ولأبي حيان التوحيدي كلمة تكشف عن موقف مضاد لأخلاقيات الارتزاق المرتبط عضوياً بالشعر، حيث نقرأ قوله: لا ترى شاعراً إلا قائماً بين يدي خليفة أو وزير أو أمير باسط اليد، ممدود الكف، يستعطف طالباً، ويسترحم سائلاً، هذا مع الذلة والهوان، والخوف من الخيبة والحرمابل إن هناك ما يشير إلى أن الشعراء أنفسهم كان لديهم بعض الإحساس بعيوب الممارسة الشعرية، وهناك أقوال للفرزدق تدل على ذلك منها قوله أطعتك يا إبليس سبعين حجة(10)، ووصف نفسه بأنه عذاب على الناس ونقمة عليهم وأنه في خدمة اللئام يرفع لهم أسماءهم(11). مما أدى إلى هذه ليست سوى أمثلة على آراء منتشرة ومبثوثة في التراث لا تضع الشعر في موضع رفيع، ويبدو عليها الإحساس بالمشكل الشعري، غير أن هذا لم يتطور إلى نظرية ناقدة للخطاب الشعري. 1-3 إنها لم تتطور إلى نظرية نقدية أو حتى إلى وعي نقدي لأن المؤسسة الثقافية الشعرية كانت أقوى وأنفذ، فالشعر علم العرب الذي ليس لهم علم سواه ? كما قال عمر بن الخطاب(15) ? وهو توصيف موضوعي صادق يصف الحال الثقافية للعرب، مما جعل الشعر ديوان العرب(16) وسجل وجووالسؤال الآن عما جرى للذات العربية بعد أن رضيت بأ، تحول نفسها إلى ديوان شعر، وتترجم وجودها إلى قصيدة. وإذا ما كان الشعر هو ديواننا، أي سجلنا الثقافي والحضاري، فإن هذا سيعني بالضرورة أننا سنستلهم منه نماذجنا في الفعل وفي التصور، وسنتمثل سيئاته مثلما نتمثل حسناته، ولن نسلم من سيئاته إلا لو جرت عمليات نقد منهجي يشرّح الخطاب ويكشف عيوبه، وهذا ما لم يحدث طبعاًوعلى الرغم من وجود صفات أخلاقية وجمالية راقية في الشعر يحسن بنا أن نتعلمها وأن نتمثلها، وهي ما يبرر دعوات تعلم الشعر وتربية الناشئة عليه، إلا أن فيه صفات أخرى لها من الضرر ما يجعل الشعر أحد مصادر الخلل النسقي في تكوين الذات وفي عيوب الشخصية الثقافية. ولنت1. شخصية الشحاذ البليغ (الشاعر المداح) 2. شخصية المنافق المثقف(الشاعر المداح أيضا) 3. شخصية الطاغية (الأنا الفحولية) 4. شخصية الشرير المرعب الذي عداوته بئس المقتنى (الشاعر الهجاء) هذه صور حية في التجربة الشعرية، حتى إن الشاعر الذي لا يمدح ولا يهجو ولا يفاخر لا يعد إلا ربع شاعر، كما قيل عن ذي الرمة(19). ومع أن الشعراء يقولون مالا يفعلون، فإن اللافاعلية هنا هي إحدى عيوب الخطاب، لأنها تسلب من اللغة قيمتها العملية إذ تفصل بين القول والفعل، كما أنها ترفع عن الذات مسؤوليتها عما تقول، ولذا جاء ذم الشعر الذي هذه صفته في القرآن الكريم. ولو اقتصر الأمر على الشعر . .


الكاتب: عبدالله الغذامي
0المفضلة
27713 المشاهدات
0 تعليقات