من كتاب: النقد الثقافي (2)
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
-تهشيم النسق- في عام 1947 حدثت حادثتان ظاهرهما أدبي، وحقيقتهما ثقافية، حيث ظهر ديوان نزار قباني في دمشق، (طفولة نهد)، وظهرت نازك الملائكة، ومعها حركة الشعر الحر والسياب. وكأنما كان ظهور ديوان نزار رداً نسقياً على ظهور نازك. ولقد سبق أن ناقشت مشروع الشعر الحر (قصيدة التفعيلة) بوصف ذلك حادثة ثقافية، بما إنها مسعى ثقافي لكسر عمود الفحولة، وإحلال نسق بديل ينطوي على قيم جديدة تنتصر للمهمش والمؤنث والمهمل، وتؤسس لخطاب إبداعي جدولذا فإن نازك ونزار ليسا ظاهرتين أدبيتين فحسب، بل هما أيضاً علامتان ثقافيتان ينطوي خطاب كل منهما على (نسق) عميق يتوسل بالجمالي لكي يمرر رسالته ويغرس تأثيره. كما إن نزار ونازك ليسا وحيدين هنا بل هما مثالان على خطابين متجذرين ومتفرعين، والسياب وأدونيس من جهعلى أن من المهم أن نشير هنا إلى أن النسق لا يتحرك على مستوى الإبداع فحسب، بل إن القراءة والاستقبال لهما دور مهم وخطير في ترسيخ النسق، ومن المؤكد أن نزار قباني كان صنيعة القراءة مثلما هو مبدع لنصه، فاستقبالنا لنزار وحماسنا لشعره كان سبباً لشيوعه من جهة، وكوهذا يوضح مدى قدرة النسق على التغلغل إلى بواطننا والتحكم بردود أفعالنا، كما يوضح مدى سيطرة النسق على عاداتنا القرائية والذوقية، وإلا كيف نتقبل خطاباً يتضمن الهيمنة ويدعو إلى عبودية الفر وينطوي على فردية مطلقة وحس متعالٍ ينفي الآخر ويقول بالإطلاق، في زمن نإن هذا يجري لنا في وقت واحد، حيث نستهلك خطابات الهيمنة ونتمثلها في تناقض تام مع ما نؤمن به صراحة، وهذا هو فعل النسق كما شرحناه في الفصل الثاني، حيث ينطوي الخطاب على بعدين ينقض مضمرهما منطق صريحهما دون وعي من مستهلك الخطاب ولا من مبدعه.


الكاتب: عبدالله الغذامي
0المفضلة
17164 المشاهدات
0 تعليقات