• من كتاب: النقد الثقافي (3)

    -نسق الاستفحال - 2-1 لئن كان ظهور نازك الملائكة عام 1947 وكسرها لعمود الفحولة يمثل دلالة ثقافية عن فتاة يافعة تقتحم النسق الفحولي وتحطمه وتؤسس مع السياف حركة جديدة ومختلفة في ثقافتنا ولأول مرة، مع ما في ذلك من دلالات عميقة حيث تظهر المرأة فاعلة ومؤثرة في صناعة الخطاب وفي ولكي نتصور الأمر لنعد إلى نزار قباني في أول ظهوره مع ديوانه (طفولة نهد)، حيث نقرأ في الصفحات الأولى للديوان قوله: ماذا نقول للشاعر، هذا الرجل الذي يحمل بين رئتيه قلب الله، ويضطرب على أصابعه الجحيم، وكيف يعتذر لهذا الإنسان الإله الذي تداعب أشواقه النجوم(3). وهو قول ينطوي على غلوّ صارخ وتفحيل مبكر. هذا كلام يقوله نزار عام 1947، عام ظهور حركة الشعر الحر، وينقل بعد ذلك كلمة كروتشة، وهي كلمة تتضمن قانون الفحولة التالي: على الناقد أن يقف أمام مبدعات الفن موقف المتعبد، لا موقف القاضي(4). هذه مقولات تتصدر مشروع نزار قباني الشعري، الذي سيجري وصفه في ثقافتنا على أنه مشروع تحرري وتنويري، وسيجري استهلاكه على هذا الأساس، مع شيء غير قليل من العمى الثقافي فينا وفي وعينا النقدي. ولا بد هنا أن نستذكر ما سبق أن قلناه في الفصلين الثالث والرابع عن (اختراع الفحل) وعن الصورة النسقية للفحل الثقافية، وعن صورة (صناعة الطاغية)، وهي أنساق ثقافية متجذرة وظلت تمر من ون نقد حتى شكلت أساساً ثقافياً وذهنياً ظل يعاود الظهور ويزيف المشاريع الإبداعوبما إن نزار فحل يرث أسلافه من الفحول فإنه سيضع نفسه في الموضع المتعالي، وموضع الغلو الفاحش أليس يقول إن الشاعر هو الإنسان / الإله، وأنه يحمل بين رئتيه قلب الله، وأن على النقاد أن يقف موقف المتعبد أمام مبدعات الفحل الأسطوري...؟!، بما إنه يحمل هذا الموروث إني خيــرتك فاختاري ما بين الموت على صدري أو فوق دفاتر أشعاري لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والناري(6). ثم يتصاعد به الموقف إلى لحظة التوحد التام مع الذات عابدة أم معبودة: مارست ألف عبــادة وعبادة فوجدت أفضلها عبادة ذاتي(7) هذه ليست مجرد مبالغات شعرية، ولعل عيب ثقافتنا هو في إصرارها على التعامل مع الأوهام بوصفها مبالغات شعرية، وعلى أن أعذب الشعر أكذبه. في حين إن هذه المبالغات المزعومة هي ما يؤسس للتصورات الذهنية والثقافية عن سلطوية الذات وسموها وجبروتها. وكان نزار يدرك فداحةوذنـــوب شعري كلها مغفورة والله جل جلالــــــه التواب هذه الذنوب لا يغفرها نزار لنفسه بل إن الثقافة ذاتها اتخذت لنفسها قاعدة متعالية بتجاوز أخطاء الفحول وغفرانها لهم، فهم الذين يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، وهم الذين يصورون الحق بصورة الباطل، والباطل بصورة الحق. وهذا قانون فحولي/ سلطوي قديم ومتجذر، وهو ما يسمحولم يكن الأمر مقتصراً على الشعر وجمالياته، بل إن المجاز الشعري تحول مع الزمن ليكون قيمة اجتماعية مسلكية، كما وضحنا في مبحث (صناعة الطاغية) في الفصل الرابع. وحينما نتحدث عن نزار قباني هنا فلا شك أنه ليس إلا طرفاً من سلسلة طويلة، وهو إحدى الخلاصات الثقافية للنسق الفحولي، ويعزز ذلك جماهيرية نزار مما يعني توافقه مع الحس الوجداني العام للثقافة، ومن همنا هنا أن نكشف ضمير هذه الثقافة ومستخلصاتها النسقية. ولقد تجلت فحولية نزار عبر خطابه الذاتي الذي يخاطب فيه نفسه أكثر من مخطابته للآخر، ومن أجل استقراء سيرة هذا الخطاب نقف عند اقتباسات جوهرية من كلمات قباني ومقولاته. على أننا نحتفظ دائماً بفكرة أساسية وهي أن هذه الفحولية ليست من إنتاج نزار قباني بقدر ما هي موروث ثقافي استلهمه نزار وانساق وراءه، وخضع له، كما أننا لن نغفل عن فكرة جوهرية، وهي أننا نحن كقراء مسؤولون مسؤولية مباشرة عن ترسيخ هذه الصورة، خاصة نحن جيل وقراءه 2-2 إن الوقوف على سيرة الخطاب النزاري عبر التقاط اقتباسات دالة من مقولاته تكشف لنا عن سياسة الثقافة التي يؤسس لها هذا النوع من الأدب الجماهيري، ولعل ميزته هي علته في الوقت ذاته، إذ أن الجماهيرية مرتبطة بالنوازع النسقية مما يعني أن شعر نزار هو ما سيكشف لناوها هو يقول عن نفسه بتصديق ذاتي مفرط: أنا مؤسس أول جمهورية شعرية، أكثر مواطنيها من النساء(8). وهذه دعوى غير صحيحة طبعاً، وليس يهمنا مدى صحتها، ولكن المهم هو حدوث الدعوى بذاتها وإنشاء (الأنا) بجمهوريتها المزعومة وبمواطنيها من النساء مذ كانت الفحولة الشعرية هي المبدأ المحرك لشهوة الإبداع عند الشاعر. وبما إن الجمهورية هي جمهورية الفحل، فلا بد أن يكون الرعاية نساء. ومن حق السيد الشاعر أن يعلن عن غايته من جمهوريته هذه فيقول: إنني أكتب حتى أتزوج العالم... أنا مصمم على أن أتزوج العالم(9). ويبدأ مشروع الفحل في تحويل العالم إلى جمهورية نسائية تخضع للاستفحال، يبدأ عبر انتهاك عذرية اللغة وفضها من قبل الشاعر الفحل، وذلك لأن الكلمات في اعتقاد الشاعر عذارى وتظل كذلك إلى أن يضاجعها كي تتعهر، وعبر معاشرة الشاعر الفحل لها تتحول اللغة إلى أميرة أو إلهنا يظهر الشاعر بوصفه أمير الكلام، بما أنه يجوز له ما لا يجوز لغيره، وهو (الطفل الوحيد الذي يسمع له في المجتمع العربي أن يلعب باللغة)(11). وهذه هي أخطاؤه التي يصفها الأخطاء الجميلة، ويؤكد ذلك بقوله: إنها أخطاء جميلة لأنني حين أستعرضها بعد أربعين سنة من ارهذا يعني أنها أفعال ليست عفوية أو انفعالية، إنها عمل مخطط ومبتغى مرتضى ومقصود، وهي مشروع طويل الأمد احتاج إلى أربعين سنة من النية والتخطيط والانتشاء الفحولي بالنتائج مع الإصرار على الخطأ رغم وعيه به، وهذه من سمات الفحل/ الطاغية، الذي يجعل الباطل حقاً والحهي مشروع لانتهاك اللغة والعالم وتحويل اللغة إلى خادمة تنصاع لمراد السيد الشاعر مع الرغبة في إذلال العالم وإخضاعه لنزوات الفحل، وبمعنى آخر هي بعث لعادة (الاستفحال) وهو: أن يطلق الفحل الجسيم على النساء ليحبلن منه، وهي في بعض بلدان الشرق(14). إن الشاعر هنا يقدم بإصرار وتعمد على استنبات مفهوم (التفحل) بخصائصه الفحولية المتعالية، ولن تكتمل هذه الفحولة إلا بإلغاء الآخر وإعلان وحدانية الذات، وهذا هو الوجه الآخر لصورة الفحل. يقول نزار قباني في ذلك: إنني لا أقيس نفسي بأحد ... إنني أقيس نفسي بنفسي(15). هذا هو علقمة الفحل الذي لا يرى أحداً غيره، ولذا كثر تبرم نزار بناقديه وأظهر الامتعاض منهم، وأعلن احتقاره لمنافسيه وازدراءه لهم، وقال إنهم يحسدونه ويغارون منه ومن شعبيته، ولذا فكر بإيجاد (قوة ردع أدبية) تلقي القبض على خصومه بتهمة الزنى بالكلمات والقذف العلوالفحل هنا هو الحجة والداعية، كما يقول فحل آخر سنراه بعد قليل، فالفحل يضع قوة رادعة ويبتكر التهمة التي قد تكون الخيانة العظمة والعمالة، مثلما هي الزنى بالكلمات والقذف العلني، وويل لمن لمس الفحل أو تحرش به فعداوته بئس المقتنى، كما هي قاعدة أي فحل سلطوي. واوإذا كان الشاعر يحمل في داخله هذه المشاعر، فإننا نسأل عن جمهوريته التي ادعى تأسيسها،وأي جمهورية هي...؟ أهي جمهورية من رجل واحد والباقي جوارٍ تستجيب لنزواته وشهواته بما في ذلك اللغة التي تنتظر معاشرته ومضاجعته لها، والعالم الذي ينتظر منه أن يدينه إلى فراش الزوجية، وبعد ذلك يتولى الشاعر طرد الآخرين من جمهوريته الخاصة به وحده دون سواه. هذه الجمهورية المحروسة بقوة الردع الأدبية التي تحمي حمى السيد الشاعر وتمنحه حق القول والفعل، أما من عداه فهم رعايا وخدم وجوارٍ، وويل للمارقين. هذا هو برنامج السيد الشاعر رئيس الجمهورية بوصفه الأب الرمزي الذي لا يصير فحلاً إلا عبر تأنيث ما عداه، بمعنى أن هذه الفحولة ? كما هو شأنها أبداً ? ترى التأنيث نقصاً ودونية وكائناً مسكيناً تحتاج إلى الشاعر/ الأب لكي يرعاها ويتكلم نيابة عنها ? كما سنرى في الوالفحل دائماً فرد متفرد في فحوليته، وشيطانه ذكر لأنه نجم عجلي، أو هو عجل نجومي، هو وحده، لأن من سواه شيطانه أنثى وله الشيطان الذكر وحده (17).

    الكاتب: عبدالله الغذامي

    0المفضلة

    18344 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من عبدالله الغذامي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من كتاب: النقد الثقافي (3)

    المزيد من عبدالله الغذامي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة