التوأمان: الشَّرقُ وَالغربُ (البيادر)
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
شرق بصير وغرب مبصر تفرَّدت اللغةُ العربية بكمالاتٍ كثيرة، ولاسيما في معالجة النفس البشرية وما انطوتْ عليه من قوى ومشاعر ونزعات. وفي ذاك دليل على أن بُناة هذه اللغة الكريمة قد سبروا في النفس أغوارًا سحيقة؛ وإلا لما خلقوا لغة تمكِّنُهم من تصوير دفائن النفس في أدقِّ معانيها، ومن أكمل كمالات العربية وأسماها تمييزُها ما بين "البصيرة" و"البصر" وجعلُها الكلمتين فرعين من أرومة واحدة، بل توأمين من بطن واحد. ولكن ذاك الفرع غير هذا؛ ولكن هذا التوأم غير ذاك. فكأنَّهما واحد وليسا بواحد. فالعين، إذ تمرُّ بهما، تحسُّ ما بينهما من تجانس، وفالبصر ? ومركزُه العين ? يحصر كلَّ همِّه في التقاط أشكال الأشياء وألوانها؛ ومن أشكالها وألوانها يحاول أن ينفذ إلى كنهها. حين أن البصيرة ? ومركزُها القلب أو الوجدان ? همُّها الوصول إلى بواطن الأشياء دون التلهِّي بظواهرها. فالاثنان يدأبان وراء المعرفة؛ لكن أما أنا فقد قلت من زمان ? وما أزال أقول ? بأسبقية البصيرة على البصر في بلوغ الغاية المنشودة التي هي الفهم الأقصى المؤدي إلى الحرية القصوى. لن يبلغ البصرُ قلبَ الحقيقة قبل أن يبلغ حدودَه ويدرك عجزَه وقصورَه، ويلوذ بالبصيرة فينقلب بصيرة. أما البصيرة فلا حدود لها، مثلما لا حدود للحقيقة التي تتوخَّاها. فهي، وإن توكَّأتْ على البصر، لا تسير في نوره. فالمحدود لا يسع سوى المحدود؛ وما كان بغير حدود لوالآن، إذا ما قلت لكم إن الشرق هو بصيرة العالم وإن الغرب هو بصره، فما إخالكم تسيئون فهم ما أقول، فتحسبون أن الشرق كلَّه بصيرة ولا بصر، وأن الغرب كلَّه بصر ولا بصيرة. ذاك يعني تجريدَكم الشرق عن كلِّ حسٍّ خارجي، وتجريدَكم الغرب عن كلِّ شعور باطني؛ وهو غير القد اتَّبع الشرقُ هدْيَ البصيرة، واتبع الغربُ هدْيَ البصر؛ فأنجب الأول الأنبياء وأنجب الثاني العلماء. فكانت هدية الأنبياء إلى العالم أديانًا ترفع الأرض إلى السماء؛ وكانت هدية العلماء علومًا تهوي بالسماء إلى الأرض. لكنما الإنسان، وقوى الإنسان، من ظاهرة وباطنة، في مدٍّ وجزر متلازمين. فللبصيرة، مثلما للبصر، مدٌّ يتلوه جزرٌ وجزرٌ يتلوه مدٌّ. ومَنْذا ينكر أن من بصيرة الشرق قد فاض على العالم مدٌّ جارف من الكمالات والجمالات الروحية؟ منذا ينكر على الشرق قوةً اندفعت من قلبهمنذا ينكر على الشرق سلطانَه على كلِّ أبناء الأرض، منذ كانت الأرض وكان الشرق؟ وأيُّ سلطان يتوخَّاه إنسان على إنسان أقوى من السلطان على القلب والفكر والوجدان؟ ما هي بالهدية الطفيفة أن تهدي إلى العالم بأسره إلهًا، ومع الإله اليقين بأنه أبوك الشفيق الرحيم العادل، ومع اليقين الرجاء بالانعتاق من ربقة الموت وآلام الموت. تلك هي هدية الشرق إلى العالم. وهي هدية ما تلقَّفها العالمُ حتى أصبح كلُّه معبدًا لإله تعدَّدتْ أسماؤه ولكنه واحد. وإذا الناس يفتحون قلوبهم وأفكارهم وبيوتهم لذلك الإله، فلا يأكلون ولا يشربون، ولا يزوِّجون ولا يتزوَّجون، ولا يعملون ولا يستريحون، ولا يولدون وكأن بصيرة الشرق، إذ هَدَت العالم إلى الله، حاولتْ أن تعطِّل بصره من قبل أن تفتح بصيرته. فكان من ذلك ردُّ الفعل الفظيع الذي بدأنا نشهده في العصور الأخيرة ? وأعني طغيان البصر على البصيرة. فالبصر اليوم في مدٍّ والبصيرة في جزر. وكما استغرق مدُّ البصيرة أجياللقد كان من مدِّ البصر أن حياة الإنسان المادية أخذت تتقلَّب من حالٍ إلى حال بسرعة خاطفة: فنُظُمٌ تنهار ونُظُمٌ تُشاد، وحواجز تندكُّ وأخرى ترتفع، وممالك تمَّحي وغيرها يُسطَّر، ولآلئ تغدو حصًى وحصًى تغدو لآلئ؛ ما كان أمس حرامًا يصبح حلالاً، وما كان حلالاً يمهو ذا الإنسان يهزأ بالنسر في جوِّه، وبالحوت في بحره، وبالأسد في عرينه. وهو يُمَنْطِقُ بصوته الأرض، ويحبس نور النهار في أسلاك يسلِّطها على الليل فتمحو ظلامه، ويجترح من العجائب أشكالاً وألوانًا في مختبراته العجيبة. ولا ينقصه ? على حدِّ قول البسطاء ? إلا أن حقًّا إنه لتيار هائلٌ جارف تتعالى أمواجُه وتتدافع في كلِّ ناحية؛ وفي تدافعها صخبُ الزلازل وعتوِّ العواصف، مع شيء من بهجة الفصول، ورونق السماء، وسحر الفوز بالغنيمة، وجاذبية القوة الظافرة. فلا غرو إذا ما غمرت المعمورة وبهرت الأبصار. فهي بنت البصر، وللبصر اللاغرو أن يقف العالم ? وفي جملته هذا الشرق ? مشدوهًا تجاه مدنية الغرب المبصر، وأن يهلِّل لها ويكبِّر، وأن يغفر لها كلَّ زلاتها، ثمَّ أن يعقد عليها آمالاً أبعد بكثير من مدى سلطانها. فهي، على ما فيها من مرارة، غنية بالحلاوة التي لا يصعب على أيِّ إنسان تذوُّقومدنية البصر للجماهير كتلك البطيخة لذاك المكاري. ففيها ما يدغدغ الذوق، ويسلِّي العين والأذن، ويلهي الإنسان عن نفسه؛ مثلما فيها غذاء ? أو بعض الغذاء ? للبهيمة في الإنسان. أما القلب فتتركه فارغًا، وأما الروح فتعلِّقه على مشنقة الشك والحيرة والإبهام. إلا أنهذاك، إذا ما أخذتموها من حيث هي تريد أن تؤخذ، أي من حيث محاسنُها لا غير. أما إذا تفحصَّتم مساوئها فلن تجدوا مدنية قبلها بلغت ما بلغتْه من التكالب والتباغض والقساوة، مع الكثير من التبجح بالعكس. وإما عجبتم لمشهد غريب فاعجبوا معي لهذا الشرق ? وقد أهدى إلى الع"من يقايضني قنبلة محرقة بآية منزلة؟ وطيارة أو دبابة بسِفْر مقدس؟ بل من يقايضني مخترِعًا واحدًا بعشرة أنبياء؟" ما هذا، ما هذا؟ أبصيرة تستجدي بصرًا؟ أشمس تستغيث بذبالة؟ أجل، إن بصرًا نشيطًا لخير من بصيرة كليلة. وبصيرة الشرق حلَّ بها كلالٌ منذ أن بلغتْ من مدِّها أقصاه. وإن ذبالة تشتعل لخير من شمس اعتراها الكسوف. وشمس الشرق حلَّ بها كسوفٌ منذ أن انكفأ الشرق على ذاته في جَزْرِه الطويل. إلا أن الكلال يزول بالراحة؛ والكسوف، مأما زمان الملتقى فلن ينقاد تحديدُ قربه وبعده إلى الذين يقيسون الزمان بالساعات والسنين، والفضاء بالأذرع والفراسخ. فهو قريب ? وقريب جدًّا ? لمن في بصيرتهم أبصار، وفي بصرهم بصائر، وبعيد ? وبعيد جدًّا ? لمن بصائرهم كفيفة وعلى أبصارهم غشاوات. وإلى أن يكون الملتقى لا بدَّ للشرق من وثبة بعد هجعة، وللغرب من هجعة بعد وثبة؛ بل لا بدَّ لذاك وهذا من وثبات بعدها هجعات. وإني لأرجو لهذا الشرق أن تكون وثبتُه القادمة وثبةً تجلو الغشاوة عن بصيرته وعن بصر أخيه الغرب؛ وثبةً فيها القوة دون البطش، والمعرفة دون الادِّعاء، والرفعة دون الكبرياء، والقناعة دون الخنوع، والإيمان دون التعصُّب، والسلام دون الانتقام، والنور دون النار، والمادامت البشرية على هذه الأرض دام شرقُها في حاجة إلى غربها، وغربُها في حاجة إلى شرقها، وكان ما يرفع الواحد يرفع الآخر، وما يحطُّ هذا يحط ذاك. فما طار نسرٌ بجناح واحد ولا صفقتْ يمينٌ بغير يسار. شرقٌ يقيم الأهداف وغربٌ يمهد السبيل إليها لقد كان من هجعة الشرق بعد يقظته، ومن يقظة الغرب بعد هجعته، أن تبادر إلى أذهان كثير من الناس أن الشرق قد شاخ وهرم، وأن الغرب لا يزال في ميعة شبابه وعنفوان قوته. فأصبح من شاء الكلام عن الاثنين لا يجد ما ينعت به الشرق أفضل من الانحطاط، والجمود، والخنوع، والتوالغريب أن أبناء هذا الشرق كانوا ? وما برح الكثير منهم حتى اليوم ? أفظع تنكيلاً بشرقهم من أبناء الغرب، وأشد إعجابًا بالغرب من رجال الغرب. فقد تسمعون في الغرب أصواتًا تُجاهِر بالتواء سبله، وإفلاس فكره، وفقر روحه بالنسبة إلى الشرق؛ ولا تكادون تسمعون في الشرأصحيحٌ ما يزعمه الزاعمون أن أنبياء الشرق قد جَنَوْا على الشرق، وأن أديان الشرق هي أكبر آفات الشرق؟ أصحيحٌ أن السماء قد شغلت الشرق عن الأرض، والآخرة عن الدنيا، وأن الاعتقاد بالقدر قد غلَّ يديه، وشلَّ فكره، وسدل حجابًا على عينيه؟ أصحيحٌ أن الشرق مات لأنه آملا. ثمَّ لا. ثمَّ لا. فالذي فعله الشرق حتى اليوم ما كان أكثر من وضع أهداف له وللعالم أجمع. وتلك الأهداف تتوحَّد كلُّها في هدف واحد هو هدف الكمال لهذا المخلوق الذي ندعوه إنسانًا ? هدف الانفلات من قيود اللحم والدم، والتغلُّب على الحيرة وما في الحيرة من وجع،وهذا الهدف قد نفذ إليه الشرق ببصيرته البالغة منتهَى النقاوة والصفاء في بصائر أنبيائه. فهو حقيقة لا مجاز. وهو رؤية لا رؤيا. وهو واحة حية لا سراب خدَّاع. أما أن الشرق بمجموعه ما بلغ ذلك الهدف بعدُ فأمرٌ لا نزاع فيه على الإطلاق. والقائل بعكس ذلك كالقائل بأن كلَّ رجل في الشرق نبيٌّ وكل امرأة نبية، أو كالقائل بأن كلَّ رجل في الغرب عالِم أو مخترع وكل امرأة عالِمة أو مخترعة. وفي ذاك ما فيه من السذاجة والبلاهة. ليس يعيب منارةً ألا يستنير بنورها الحارسُ الساكن في كنفها، مثلما لا يعيب قمة نابتة في بقعة من الأرض ألا يتسلقها أبناءُ تلك الأرض. فهدف الشرق هو هو ? حقيقة وضَّاءة ثابتة أبدية ? سواء أفي هذه الحقبة من حياته أدركه الشرقُ أم بعد حقب طويلة. بل يكفي الشرق فخرًا ? إذا كان من مجال للمفاخرة ? أنه في فترة من حياته التهب حماسةً لذلك الهدف، واتَّقد إيمانًا به، وتفانى في سبيل الوصول إليه. ولكنه أدرك العياء قبل الوصول؛ فانكفأ على ذاته، وراح يوصل ما تقطَّع من نياط قلبه، ويرمِّم ما انهار من عزمه، ويبحثذلك لأن الطريق المؤدي إلى ذلك الهدف طريق ليس يكفي السالكين فيه أن يؤمنوا بالهدف وأن يتبرَّكوا بأسماء واضعيه، وأن يتصدَّقوا على متسوِّل، ويُطعموا جائعًا، أو أن ينقطعوا أيامًا عن الطعام، أو أن يؤدوا فروضًا معلومة في المعابد. إنه لطريق ما عبَّدتْه كثرةُ الأرجل بعد. والرعيل الأول من الإنسانية الذي قطعه إنما قطعه مشيًا على القلوب لا على الأقدام، وعلى ضوء غير ضوء الشمس والقمر. وسواد الناس، شرقًا وغربًا، لا يزالون أطفالاً لا يحسنون المشي على أقدامهم حتى الآن؛ فكيف بهم يمشون على قلما هو بالشنار على الشرق ألا يدرك الهدف بوثبة أو بوثبتين، أو في خلال قرن أو قرنين. فما هو بالهدف الذي يُدرَك بألف وثبة وفي ألف جيل. وإنما الشنار أن يقعد الشرق بمجموعه، من بعد أن وثب ولم يصل، قعدة اليائس البائس، قعدة المنهوك والمقهور، قعدة الخاسر الحائر؛ ثمأقول لكم: لا هدف للإنسان أبدع وأسمى وأقوى على الزمان من الذي نَصَبَه الشرق وراح يدعو إليه الناس أجمعين. وهو، إذا ما تحجَّب عن البصر المقنَّع بألف قناع، فلأنه ابن البصيرة النيِّرة الصافية؛ وهو، إذا ما عزَّ منالُه، فلأن الكمال عزيز المنال. وهو حقيقة مثلما اثمَّ أقول لكم إن الغرب لعاجز عن خلق مثل ذلك الهدف، بل عن خلق أيِّ هدف للإنسان يقوى على الزمان وتقلُّباته. ذاك لأن الغرب سائر على ضوء بصره؛ والبصر لا يثبت على حال، لأن الأشياء التي يتناولها لا تثبت على حال. ولكن للغرب رسالته مثلما للشرق رسالته. إنْ تكن رسالة الشرق البصير خَلْقَ الأهداف فرسالة الغرب المبصر هي تعبيد الطريق إليها. تقولون: وكيف للغرب الذي لا يبصر هدف الشرق ولا يؤمن به أن يعبِّد الطريق إليه؟ وجوابي هو أنه فاعل ذلك في كلِّ ما يفعل، ولكن من حيث لا يدري ولا يقصد. وههنا الأحجية. لقد حصر الغرب همَّه في درس هذا العالم المحسوس والسُّنن التي يتمشَّى عليها، ثمَّ راح يطبِّق ما اكتشفه من تلك السنن على حياته اليومية. فكانت علومُه وكانت فنونُه؛ وكان منها ذلك السيل من المخترعات والمكتشفات الذي لا يزال في أوْجِه، والذي، إذا ما بلغ يومًا حدّأما ترون إلى العلم، الذي هو دعامة المدنية الغربية والذي يدَّعي ويجاهر أن لا شغل له إلا بالمحسوسات، كيف أنه يبتدئ بغير المحسوس لينتقل منه إلى المحسوس؟ فالنقطة، التي هي لاشيء، تصبح مقياسًا لسائر الأبعاد وأساسًا للهندسة العملية. والواحد، الذي ليس سوى خيال بحت، يصبح الأول والآخر في جميع المعادلات الرياضية؛ والمعادلات الرياضية التي تقوم عليها فصيلة العلوم الطبيعية تنقلب ناطحات سحاب وجسورًا وبواخر وطائرات ومفلا نكران، إذن، أن للعلم الحديث، كما رتَّبه ونسَّقه وروَّجهُ الغرب، فضلاً عميقًا على الشرق والغرب معًا. فهو، من حيث لا يقصد، دائب في نقل ما لا يُحَسُّ إلى حيِّز المحسوس، أو ما كان ضمن دائرة البصيرة إلى دائرة البصر. ولأن معظم الناس ? خاصَّتهم وعامَّتهم ? لثمَّ لا نكران أن الغرب قد سهَّل على الإنسان أمر المعيشة بفضل ما استنبط من حيل ميكانيكية، وما توصَّل إليه من خيرات كانت دفينة في الماء والتراب. وإذا ما أعوزتْه اليوم الحكمةُ لخلق نُظُمٍ لا تحرم البعض وتبلو البعض بالتخم فالحاجة التي لا ترحم ستعلِّمه في الغدوثمة مِنَّة ثالثة للغرب لا بدَّ من ذكرها، وهي أن هذا السيَّار، الذي يعلم الله كم دار بنا وكم سيدور في فيافي الفضاء، كان، إلى عهد قريب، عالَمًا مترامي الأطراف، كثير المجاهل، وعر المسالك، عديد الألسن، وفير الصبغات، متضارب النزعات. أما اليوم فقد أصبح، بفضل اوهذه الآلة العجيبة التي أخاطبكم بواسطتها الآن قد وصلتْ كلَّ لسان، أينما كان، بكلِّ أذن، أينما كانت. وعلاوة على ذلك فالمدنية الغربية قد أحدثت حاجات كثيرة وخلقت أزياء كثيرة يشترك فيها ابن الشمال مع ابن الجنوب، وابن الغرب مع ابن الشرق؛ حتى إن سائحًا ليكاد يسهكذا نرى الغرب، بعلومه وفنونه، ومخترعاته ومكتشفاته، وحتى بحروبه، يصل الأرض بعضها ببعض؛ ومن حيث لا يدري، يمهِّد السبيل لضمِّ الإنسانية المبعثرةِ الشمل أسرةً واحدة يجمعها بيتٌ واحد وتقودها إرادةٌ واحدة إلى غاية واحدة. وذاك ما نادى به الشرق من زمان. أما قال:وعندما تبلغ علومُ الغرب المادية أقصى مداها، عندما تفلق الذرة أو ترتدُّ عاجزة عن فَلْقِها، ستراها وجهًا لوجه مع ما يجعل المادةَ مادةً وليس بمادة ? مع القدرة التي أسماها الشرقُ الله ورفعها هدفًا للإنسان المخلوق على صورتها ومثالها. وبكلمة أخرى، سينتهي الغرب ومهمة الشرق إذ ذاك، وقد مهَّد الغربُ له الطريقَ إلى الهدف، هي جَلْوُ ذلك الهدف كيما يظهر في كلِّ بهائه، نقيًّا من السفاسف والترَّهات التي حَجَبَ الجهلُ بها سناءَ وجهه باسم الله والدين، وما هي من الدين والله لا بخمرٍ ولا بخلٍّ؛ ثم لمُّ شعث الإنسانية التائهغربٌ حاكم وشرقٌ محكوم من الأوهام المسيطرة على عقول الناس ? وما أكثرها! ? وَهْمُهم أن في مستطاع إنسان أن يحكم إنسانًا من غير أن يكون محكومًا منه. والواقع أنه ما قامت علاقةٌ بين مخلوق ومخلوق إلا كان فيها شركةٌ للاثنين، وكانت حصةُ الواحد معادلةً لحصة الآخر. فأنتم ما اغتذيتم بلحم الأرض ودمها إلا غذَّيتموها بلحومكم ودمائكم. ولا استخدمتم بهيمة إلا كنتم خُدَّامها. ولا ملكتم شيئًا إلا مَلَكَكُم. ولا حكمتم إنسانًا إلا حَكَمَكُم. هل عرفتم ربَّ أسرة ما تحكَّمَ فيه كلُّ فرد من أفراد عائلته، حتى الذي ما برح مقمَّطًا في المهد؟ أو هل سمعتم بقائد قاد جيشًا وما قاده جيشُه؟ أو هل قرأتم من كتاب إلا على قدر ما قرأ ذلك الكتاب منكم؟ لا يستطيع حاكمٌ أكثر مما في استطاعة محكومه؛ فقدرة المحكوم هي قدرة الحاكم. وإذ ذاك فما معنى هذه الهالة من الجلال والعظمة والسؤدد والسعادة التي تنسجها أوهامُ الناس حول هامات حكامهم، ولا تجد غير الذلِّ والحقارة والصغارة والطاعة العمياء ونكران الكرامة تنسج منإن يكن في الحكم جلالٌ فهو جلال المحكوم قبل أن يكون جلال الحاكم، أو تكن فيه صغارة فهي صغارة الحاكم والمحكوم بالسواء. وما علاقة الحاكم بالمحكوم سوى علاقة طارئة تفرضها أحوالٌ طارئة من عالَم خفيٍّ ما توصَّل الإنسانُ بعدُ إلى الوقوف على أسراره والسيطرة على منابعها ومجاريها. فحاكم الأمس يصبح محكوم اليوم، ومحكوم اليوم يغدو حاكم الغد؛ لا كسبًا لشرف، أو امتهانًا لكرامة، بل امتثوالسرُّ في عدم ثبات الحكم البشري وسرعة تنقُّله من يد إلى يد، ومن فئة إلى فئة، ومن شعب إلى شعب، إنما هو في النفس البشرية، وما في زواياها الغريبة من خبايا عجيبة. إنه لمن الصعب أن تسوق قطيعًا من الغنم بعصًا واحدة. فلا بدَّ ولو من كبش واحد يتمرد على عصا الراعي وصوته. فكيف بقطيع من البشر تسوقه بعصًا واحدة ? وإلى الأبد؟ أما كان فرعون سيِّد مصر المطلق يوم جاءتْه ابنتُه بلقيط حظيتْ به على ضفة النيل فربَّاه في قصره؟ وذلك اللقيط جرَّ فرعون ومركباته فيما بعد إلى مدفن من الأوحال في قعر البحر الأحمر؟ فأيُّ الاثنين كان حاكم الآخر؟ أفرعون كان حاكم موسى، أم موسى كان حاكم فرعون؟ ومأما كانت رومة الحاكمة المطلقة في الجليل واليهودية يوم ولد ابن مريم ويوم راح يبشر بملكوت الله! وها هي ذي بشارة ابن مريم لا تزال ماشية من فمٍ إلى فم، ومن قلب إلى قلب. فأين رومة وجحافل رومة؟ أكانت رومة حاكمة الجليل أم كان الجليل حاكم رومة؟ ومن أين كان لرومة أما كانت قريش سيدةً لا يناهضُها مناهضٌ في مكَّة يوم قام يتيمٌ لا سلطان في يده يدعو الناس إلى الإله الأوحد؟ وأين اليوم سلطان الذين اضطهدوه وقاتلوه من سلطانه؟ أكانوا هم حكامه أم كان هو حاكمهم؟ ولو دَرَتْ قريش يومذاك بما انطوى عليه قلب ذاك اليتيم من قوى وأسروالآن ماذا عساكم تقولون فيمن يقول لكم إن مشكلة الحكم ما بين الشرق والغرب ليست بالمشكلة التي تتوهمون. فالغرب لا يحكم اليوم الشرقَ أكثر مما يحكم الشرقُ الغربَ. لكنما المؤسف والموجع في هذا الحكم ألا يكون فيه ما يشرِّف أو يمجِّد الاثنين. فهو لا يقوم على مودَّومن ثَمَّ فأيُّ حكم دام، وأيُّ حاكم تمكَّن يومًا من سبر أعماق محكوميه والوصول إلى كلِّ ما في أغوارها من قوى هاجعة تتململ للوثوب؟ وإن هو لم يتمكَّن من ذلك فبماذا وكيف يصون حكمه؟ ومن يدري بماذا حَبِلَ هذا الشرق في غضون هجعته الطويلة، وبماذا يتمخَّض اليوم؟ إنه لا شك يتمخَّض بأمور أعجب وأعظم بكثير من التي يحلم بها أبناؤه ويحسبونها من خطر الشأن في أعلى مكان. فهم يحلمون ? في جملة ما يحلمون ? بعنقاء يدعونها الاستقلال، ويتوهمون أنهم، إذا ما ظفروا بها يومًا، ظفروا بالغبطة التي ما بعدها غبطة. ألا ليت الاستقلال كان ما يتوهمون! ألا ليتهُ ما كان أكثر من استبدال حكم بحكم، ووجه بوجه، ولسان بلسان. ألا ليته كان يُنال ? كما يزعمون ? ببذل الفلس والدم؛ إذن لما كان أغلاه نعمةً يبتاعها الناس بمثل ذلك الثمن الزهيد. لكن الاستقلال غير ما يزعمون. فما استقلَّ إنسانٌ وفي قلبه من الضغائن بثورٌ ودماملُ، وفي فكره من المخاوف ديجورٌ فوق ديجور؛ ولا استقلَّ من كان الفلسُ في جيبه سيِّدَه وأميرَه؛ ولا من كان مقودُه في يدٍ غير يده. وأيُّ أبناء هذا الزمان، أيُّ شعوبه، أيُّ أمصاره، يستطيع القول بأن مقوده في يده؟ ألعلَّ لا حاكم للإنسان إلا الإنسان؟ إذن أين أنتم من الموت؟ أو من الطبيعة التي، إذا ما فتحتْ كفَّها فوق حاجاتكم، أغرقتْكم، أو أمسكتْها دون حاجاتكم، خنقتْكم؟ بل أين أنتم من الذبإن تكن تلك حالُكم مع أنفسكم ومع غير الناس فكيف بحالكم مع الناس؟ من منكم ليس محكومًا من نسيب أو حبيب، أو صديق أو عدوٍّ، قبل أن يكون محكومًا من رئيس دولة وقاضٍ وشرطيٍّ؟ ما من مناصٍ للإنسان من الإنسان وحكم الإنسان. وكذلك الشعوب ? ما تجانس منها وما تخالف، وما تصادق منها وما تعادى ? لا مناص لأيٍّ منها من أن يكون حاكمًا ومحكومًا في آن واحد. ومن خُيِّل إليه العكس، ومن توهَّم أن في مستطاع قبيلةٍ أن تسود إلى الأبد من غير أن تكووبعد ذلك فالدم البشري دمٌ زكيٌّ طاهر؛ فهو الإناء الحامل جرثومة الحياة المباركة والفهم المقدس. ومن الحرام أن يُهراق إلا في سبيل الحياة والفهم؛ بل من الإثم أن يُهدَر بغير حساب، على حدِّ ما يُهدَر اليوم ترضيةً لأهواء يثيرُها الجهلُ ويسوقُها الموتُ. ولا بدَّ إن هذا الصوت سيخرج من الشرق ? من هذا الشرق الذاهل اليوم عن نفسه وما في أعاليها من قمم باسقة وفي أعماقها من أبعاد، وعن رسالته العلوية وما في رسالته من بلسم لجراح الإنسانية الدامية ومن نور لأبصارها القَرِحَة وبصيرتها الكفيفة. إي، ثمَّ إي، من هذا الشرق ستندفع أمواجُ ذلك الصوت إلى أن تغمر الأرض؛ من هذا الشرق المنكوب بأبنائه أشدَّ من نكبته بغير أبنائه. فهم يتطلَّبون له أمجادًا غير مجده؛ والأمجاد التي يتطلَّبونها هي التي جعلتْ من الأرض مسلخًا، ومن الإنسان قصَّابًا لأخيه الإنسان، وأما مجد الشرق الحقيقي فسيكون في أنه لن يطلب مجدًا على الإطلاق، بل يقول، مع الناصري: "من أراد منكم أن يكون سيدًا فليكنْ للكلِّ خادمًا." أجل. سيكون الشرق خادم العالم؛ وسيخدم الإنسان، أينما كان، لا بتحريره من حكم جاره، بل بتحريره من حكم نفسه. فما ساد مَن كانولو قال لي قائل إن الشرق سيفعل غير ذلك، أو أقلَّ من ذلك، وإنه لن يتمخَّض من بعد هجعته الطويلة بأكثر من حكومات جديدة وتخوم جديدة، لأنكرتُ هذا الشرق ولصرختُ من أعماق قلبي: "ألا ليته ما حَبِلَ ولا تمخَّض!" غير أني واثق بأن المولود العتيد أن يأتي به الشرق سيكون أعظم من كلِّ ذلك بما لا يُقاس. فالشرق أخصب فكرًا، وأسمى خيالاً، وأسمح قلبًا، من أخلص المخلصين من زعمائه ? فكيف بغير المخلصين؟ والشرق أصلب عودًا، وأبعد جذورًا في تربة الوجود، من أن تلويه سياسةٌ أو يقتلوإن تسألوني عن ثقتي بهذا الشرق من أين منبعها أجبكم: من الحكمة التي فاضت على لسانه من زمان، والتي يبلى الزمان وجِدَّتُها لا تبلى، وتبور كلُّ سلطة وسلطتُها لا تبور. وهذه الحكمة لن يجلوَها من جديد إلا الشرق، ولن يُحسِنَ الحكمَ بها إلا الذي خلقها من نفسه، ثم غربٌ يغرب وشرقٌ يشرق كانت الحرب الماضية خاتمة لعهد وفاتحة لعهد من حياة البشرية على سطح هذي الأرض. فبدخولها دخل الغربُ دور التصفية، فأخذتْ أمواجُه في الانكفاء، ودخل الشرق دور التعبئة، فأخذتْ أمواجُه في الامتداد. وما الحرب التي ننوء بكابوسها اليوم غير مرحلة من مراحل هاتيك التصفية وتلك التعبئة. ومَن ظنَّها الأخيرة كان على ضلال مبين. فحياة البشرية، ما كرَّ منها وما برح ملفوفًا على بكرة الزمان، أطول من أن تُقاسَ بحركات عقرب في ساعة؛ وأدوارها لا تتعاقب بسرعة الليل والوها نحن في طليعة فجر يُنذِر بانتهاء دور ويبشر بابتداء آخر. أمَّا كَمْ يطول هذا الفجر، ومتى ينجلي عن صباح جديد ونهار جديد ? أفي هذا الجيل أم في الآتي؟ ? فجوابُ ذلك ليس عندي، بل عند مَن "ألْفُ سنة في عينيه كيوم أمس العابر، وكهجعة من الليل". وسواء أطال ذلك الفجر أم قَصُرَ فالأمر الذي لا شكَّ فيه هو أن ما تشهدونه اليوم من غليان في العالم وفوران، وما تسمعونه من فحيح وجلبة، ليس سوى حشرجة مدنية تُحتضَر، ووَعْوَعَة مدنية تقتبلُها الأقدارُ من رحم الأيام التي ما تنفك حُبلى وما تنفك تولِّد. إنَّ ما وقع للشرق في سالف الزمان لشبيهٌ كلَّ الشبه بما هو واقع للغرب في هذا الزمان. فمثلما امتدت مدنية الشرق ? وأساسُها الدين ? إلى أن غمرت المعمورةَ بأسرها، كذلك امتدتْ مدنيةُ الغرب ? وأساسُها العلم ? إلى أن طَغَتْ على كلِّ أمة وبقعة من أمم الأرض وبقاعهاإن في الكون الذي نحن بعضٌ منه أسرارًا لا يزال العقلُ بعيدًا جدًّا عن الوصول إلى كنهها ? وفي جملة تلك الأسرار سرُّ التوازن؛ ولعلَّه من الكون بمثابة حجر الزاوية من البناء. فالمسكونة، بكلِّ ما فيها ? ما ظَهَرَ منها وما استتر ? في توازن أبديٍّ. وحيثما طرأ أقلما زلزلت الأرضُ زلزالها، ولا كان كسوفٌ أو خسوف، ولا تطايرت الشهبُ في الفضاء، ولا هبَّت عاصفةٌ، أو انهمر سيلٌ، ولا كان بحرٌ بمدِّه وجزره، ولا يابسة بجبالها وأوديتها، إلا لحفظ التوازن الكوني من خلل طارئ. كذلك هي الحال في عالم الإنسان. فلولا خلل يطرأ على تواولولا خلل يطرأ على توازن الأمة لما عرفت القلاقلَ والثورات والمجاعات والتعسف والظلم والانحلال. ولولا خلل يطرأ على توازن الإنسانية بأسرها لما كانت الحروب والأوبئة، والاضطهادات والتقلبات في أنواع الحكم ووجهة النظر. ولكن حذارِ أن يتبادر إلى ذهن أحدٍ منكم أنني أبارك الموت والوجع والثورات والأوبئة والحروب لأنها بعضٌ من الأساليب التي تلجأ إليها الحكمة الأولية لحفظ التوازن في عالم الإنسان. أجل، إنها لدليل على وجود تلك الحكمة؛ ولكنها، في آنٍ، دليل على جهل الإنسان لسرِّ الأما قصدي من الكلام عن هذه الأمور فليس أكثر من أن أمهِّد تمهيدًا سريعًا للفكرة التي هي نواة حديثي، والتي تدور حول اختلال التوازن ما بين الشرق والغرب، وهما توأما البشرية، بل ساعداها، بل الكفَّتان في ميزانها. وهذا الاختلال في التوازن قد بدأ يقلب مدَّ الغرب إلمَّا حَمَلَ الشرق مشعل الدين إلى العالم حَصَرَ جُلَّ همِّه في قلب الإنسان وما انطوى عليه من الأشواق المُحرِقة لمعرفة مَن هو، ومن أين، وإلى أين، ولماذا. أما عقله فقلَّما أعاره اهتمامًا. والعقل هو الدرجة الأولى في سُلَّم المعرفة. فكأن الشرق حاول أن يبلغ بالئن كان ذلك في مستطاع الأنبياء والرسل والأولياء فما هو في مستطاع الذين لا يبصرون من العالم ما كان أبعد من أنوفهم، والذين لا يؤمنون إلا بما يُبصرون، وهم سواد الناس. لذلك نام العقل، ولكن على مضض. فما إن دار الزمان دورته، وفترت الحماسة الدينية، حتى أحسَّتْ البشرية خللاً في التوازن بين قلبها وعقلها. فتنبَّه العقلُ وراح يطالب بقسطه من حياة الإنسان. وحمل الغرب راية العقل، وأجلسه على عرش من الوقار، وانبرى يناضل باسمه. ومن غير أن هذه المدنية، لشدة مغالاتها في الأمانة للعقل واندفاعها في خدمته، قد أهملت القلب البشري وحنينَه الأبديَّ إلى ما وراء المعقول والمحسوس. فهي قد صرفتْه، أو حاولتْ صرفه، عن الدين، ولكن من غير أن تعطيه جوابًا أفضل من جواب الدين على أسئلته الملحَّة: من أناوكأني، كلَّما أنصتُّ في هذه الأيام إلى قلب الإنسانية الدامي، سمعتُه يخاطب عقلها فيقول: "ألا بوركتَ يا أخاه. فلقد جئتَ حقًّا بالمعجزات. لقد خرقتَ حرمة الأعالي. وفضضتَ بكارة الأعماق. وحشرتَ أجرام السماء في عدسية مرقبك. وفضحتَ أسرار الجراثيم بعين مُجهِرك. واتخذتَ من البرق رسولاً لأفكارك. وجعلتَه قنديلاً في دارك. "ولقد أرحتَ الثورَ من نيره، والجوادَ من مركبته، والحرَّاث من محراثه، والحطَّاب من فأسه، والحدَّاد من كوره ومطرقته وسندانه. "ولقد دخلتَ بسحرك جوف الأرض فقرأتَ تاريخها في ما سطَّرتْه الدهورُ على صخورها وطبقاتها. ثم أكرهتَها على التخلِّي عن الكثير من دفائن كنوزها. "ولقد خلَقْتَ المطبعة، واتخذتَ من دواليبها رُسُلاً تذيع سحرك في الناس وتجعله حلالاً لكلِّ راغب وطالب، دون ما تمييز بين خاصَّة وعامة. "ولقد بنيتَ للناس معاهدَ يستظهرون فيها علومَك، وينعمون بفنونك، ويتذوَّقون سحرك، ويحرقون لك البخور، ويسبحونك ويمجِّدونك. "ولقد شيَّدتَ للناس بيوتًا يداوون فيها أوجاع أبدانهم وعقولهم. فإنْ نجع الدواء كان الفضل لك. وإنْ لم ينجع كان اللوم على الأبدان والأقدار، لا عليك. "أجل. لقد فعلتَ كلَّ ذلك من أجل الناس، وفعلتَ أكثر من ذلك يا أخاه. ولكنك بعتَ نفسَك والناس من مخلوق عجيب، خلقتَه ليكون خادمك وخادمهم، فإذا به يصبح سيِّدك وسيدهم من غير مُنازع. فوا عجبًا لمخلوق فاق خالقه، ولعبد ساد سيده! أما اسم ذلك المخلوق فالدرهم. "فبالدرهم تُباع رحمتُك للموجوع ? ويا ليتها كانت رحمة؛ ومعرفتُك للجاهل ? ويا ليتها كانت معرفة؛ وخبزُك للجائع، وعطفُك لليتيم، وقِراك لابن السبيل، ودفؤك للمقرور، وثوبُك للعريان، وحريتُك للرقيق، وعدلُك للمظلوم، وسَلْواك للمفجوع. ودرهمُك لا يُنال إلا ببذل ماء "وهكذا أصبحتَ يا أخي ألعوبة في يد مخلوقك العجيب. وأصبح مَن والاه مخلوقُك سيِّدَ الناس، وإن يكن أشدَّهم فتكًا بالناس؛ وأصبح مَن جافاه مخلوقُك عبدًا للناس، وإن يكن أشدَّهم غيرة على خير الناس وأعرفهم بالسبل المؤدية إلى سعادتهم. ورحتَ تأتمر بأمر الدرهم. فإن ق"وأما أنا ? أنا القلب الذي ما انفكَّ ينبض منذ كان الزمان وكان الإنسان ? فأسألك: مَن أنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ فلا تسمع ولا تجيب. وأشكو إليك أوجاعًا تتأكَّلني، من غضب وبغض وحقد وحسد وطمع وفجور وقلق وذعر وشكٍّ وحيرة، فلا تتعطَّف عليَّ بدواء سوى التملي"وأُسِرُّ إليك أشواقًا تساورُني في هدأة الليل وضوضاء النهار إلى حياة لا محاباة في عدلها، ولا مواربة في صداقتها، ولا مخاتلة في إخائها، ولا شناعة في جمالها، ولا باطل في حقِّها، ولا خوف في قلبها، ولا موت في مفاصلها؛ إلى كيان لا يبتدئ هنا وينتهي هناك، بل تضيع"أُسِرُّ إليك أشواقي، فتسخر بها وتدعوها أضغاث أحلام ? وأنا أعْرَف منك بها وبمصادرها. وإنِّي لعلى يقين من أنني ما اشتقت شيئًا إلا كان له في كياني كيان. فلو أنه كان عدمًا لاستحال عليَّ أن أشعر به وأن أشتاقه. ففي جوعي الدليل على وجود الغذاء، وفي عطشي الدليل "لقد تسلَّمْتَ يا أخي قيادة الناس زمانًا ليس باليسير، فأحسنتَ وأسأتَ؛ لكنك أسأتَ أكثر مما أحسنتَ. وها هي ذي البشرية لا تنهض من حفرة إلا لتقع في أخرى، ولا يلتئم لها جرح حتى ينفتح في جسمها ألفُ جرح. وإني لأسمعُها في خلواتها وصلواتها تستغيث بي. فتنحَّ وناولْبمثل هذا الكلام أسمع قلب الإنسان المفجوع بآماله يخاطب عقله المغرور بأوهامه. ولا عجب. فالتوازن بين الاثنين قد اختلَّ إلى درجة لا تطاق؛ فلا بدَّ من تعديله وتصحيحه. وإني لأبصر أعنَّة البشرية التائهة ما بين سمعها وبصرها تنتقل من يد الغرب ? وهو توأمها الماشي على ضوء البصر ? إلى يد الشرق ? وهو توأمها السائر على هدى البصيرة. وإني لأرى هذا الشرق يعبِّئ قواه منذ الآن للقيام بمهام القيادة الملقاة إليه. والذي يعبِّئه الشرق لن يكون ? بإذن الله ? جيوشًا برية تحمل النقمة والثأر، ولا عمارات بحرية تزرع الويل والدمار، ولا أساطيل جوية تُمطِرُ الناس كبريتًا ونارًا؛ بل سيكون بلسمًا لجراح الإنسانية الدامية، ودعامة لِما تصدَّع من إيمانها بالعدل والأخوَّة، وطعامًا ووإذ ذاك فما على الشرق إلا أن يدير وجه البشرية شطر الهدف الذي أدارت له قذالها من زمان. فهدف الشرق ما برح وضَّاح الجبين والسُّلَّم الأوحد الواصل ما بين الأرض والسماء. والمنارات القائمة على جانبي الطريق المؤدي إليه ما تزال تشعُّ القوة والإيمان لكلِّ قلب جسور*** *** ***


الكاتب: ميخائيل نعيمة
1المفضلة
72033 المشاهدات
0 تعليقات