• من درة الغواص في أوهام الخواص

    ويقولون لمن يحمل الدواة دواتي بإثبات التاء- وهو من اللحن القبيح والخطأ الصريح ووجه القول أن يقال فيه دوويّ لأن تاء التأنيث تحذف في النسب كما يقال في النسب إلى فاطمة فاطميّ وإلى مكة مكي وإنما حذفت لمشابهتها ياء النسب من عدة وجوه أحدها أن كلتيهما تقع طارقة فآجرك الإله على علـيل بعثت إلى المسيح به طبيباً ومن تأول له فيه قال أراد به أن العليل لاستحواذ العلة على جسمه وحسه قد التحق بحيز ما لا يتصرف بنفسه فلهذا عدى الفعل إليه بحرف الجر كما يعدى إلى ما لا حس له ولا عقل -ويقولون المشورة مباركة فينونها على مفعلة - والصواب أن يقال فيها مشورة على وزن مثوبة ومعونة إذا بلغ الرأي المشورة فاستـعـن برأي لبيب أو نـصـيحة حـازم ولا تحسب الشورى عليك غضاضة فإن الخوافي رافـدات الـقـوادم وكان الأصل في مشورة مشورة على وزن مفعلة مثل مكرمة فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها وسكنت هي فقيل مشورة واختلف في اشتقاق اسمها فقيل أنه من قولك شرت العسل اشورة إذا جنيته فكأن المستشير يجتني الرأي من المشير وقيل بل أخذ من قولك شرت الدابة إذا أجريتها مقبلة ومدبفإياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر والعلة في وجوب إثبات الواو في هذا الكلام أن لفظ إياك منصوبة بإضمار فعل تقديره اتق أو باعد واستغنى عن إظهار هذا الفعل لماتضمن هذا الكلام من معنى التحذير وهذا الفعل إنما يتعدى إلى مفعول واحد فإذا كان قد استوفى عمله ونطق بعده باسم آخر لزم إدخال حرف العطف في فإياك إياك المـراء فـإنـه إلى الشر دعاء وللشر جالب فإن قلت إياك أن تقرب الأسد فالأجود أن تلحق به الواو لأن أن مع الفعل بمنزلة المصدر فأشبه قولك إياك ومقاربة الأسد ويجوز إلغاء الواو فيه على أن تكون أن وما بعدها من الفعل للتعليل وتبين سبب التحذير فكأنك قلت أحذرك لأجل أن تقرب الأسد وعليه قول الشاعر فبح بالسرائر في أهلـهـا وإياك في غيرهم أن تبوحا ومما ينخرط في سلك هذا الفن أنهم ربما أجابوا المستخبر عن الشيء بلا النافية ثم عقبوها بالدعاء له فيستحيل الكلام إلى الدعاء عليه كما روى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه رأى رجلاً بيده ثوب فقال له أتبيع هذا الثوب فقال لا عافاك الله فقال لقد علمتم لو تتعلمون هلكل عند لك عـنـدي لا يساوي نصف عند فمن ضرورات الشعر كما أجرى بعضهم ليت وسوف وهما حرفان مجرى الأسماء المتمكنة فأعربهما في قوله ليت شعري وأين منى ليت ان ليتا وان سوفا عنـاء وقد تستعمل عند بعدة معان فتكون بمعنى الحضرة كقولك عندي زيد وبمعنى الملكة كقولك عندي مال وبمعنى الحكم كقولك زيد عندي أفضل من عمرو أي في حكمي وبمعنى الفضل والإحسان كما قال سبحانه وتعالى إخباراً عن خطاب شعيب لموسى عليهما السلام "فإن أتممت عشراً فمن عندك " أيقريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماماً

    الكاتب: الحريري

    0المفضلة

    12347 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من الحريري

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من درة الغواص في أوهام الخواص