من رواية: الطائر بجناح أبعد منه.
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
" كثيرة هي خساراته .. كثيرة هي نجاحاته . البحر ممتد ،والسفينة سائحة . وستظل الحانات والطرق والليالي ومشاهده .. تناديه : المدن التي عشقها ..النساء اللواتي عرفهنّ .. الأطعمة التي استطعمها .. والأماكن التي اشتهاها . لن يستطيعَ أن يغلق كل هذه النوافذ التي فتحها على العالم . ستظل الريح تلعب بشعر جفونه ، تدوّي في تجاويف صدره . ما أقسى شيخوخته !! حين يطوي شراعه ويسكن ظل جدار بيته ، تأكله الشمس كل يوم وهي في حرقتها ، قطعة .. قطعة . وحطام سفينته ينسله صغار الحارة ،خشبة .. خشبة ، يلعبون بها أمام ناظريه اللذين حتت أهدابهما . ويظل هو يهددهم بعصاه التي أحضرها من إحدى أسفاره الكثيرة إلى أفريقيا . ولحيته المشذبة المهذبة دوما ، ماعاد يلحظ الغزل الأبيض فيها ، ولا أطوالها .. كان إذا ما تعب ، استدعى ذلك الدرويش الصوفي الساكن في قاع رأسه أو تجاويف صدره : " الخير لك أيها الشيخ الفاني ، المتفاني أن تفعل مثلما فعل ذلك البحار النرويجي .. حين لم يستطع الإبحار ، أرسى سفينتهُ حيث يشتهي ، وقلبها إلى مطعم اسطوري يضج بالناس كل مساء ، فيما يدور هو كربّان في عمر خريفي ، مشعر الجسد ، يضع نظارته الصغيرة على أرنبة أنفه وفوق شعر فوديه ، يلاطفتدق على باله فكرة عبثية ، لا يدري لماذا يلصقها باليونان ؟؟! فكرة مطعم صغير ودافئ ورحيب ..تسمع طقع الخشب العجوز ، تأسركَ فيه حميمية جدران الحجر .. المشاعل القديمة وزوايا العشّاق .. أكل يشبع النظر وكهوف باردة تحتضر .. ونساء ممتلئات يطفن بالمكان ، يخدمنَ الناس بعيونهن .. يسرّبن للشحاذ السكير النبيل من خلف الباب لفائف وبقايا زجاجات مجانية . يتغاضين عن قيمة عشاء شاعر معدم أو سينمائي ينتظر الحلم حبيس العلب . " ستظل الرياح تشدك أنت أيها المسافر دوما .. باتجاه مرافئ أو نحو غبب من الزرقة ، ولن تستقر ... " هذا قوله دائماً حين يبلغ العياء ويبلغ به التعب .... "


الكاتب: ناصر الظاهري
0المفضلة
3083 المشاهدات
0 تعليقات