• من رواية المسرات والأوجاع

    انتهت الغارة بعد جلوسي بقليل وأضيئت الأنوار . رفض جاسم إقراضي بدعوى عدم حمله للنقود ، وكذا فعل الآخرون وهم يضحكون . لم يهمني ذلك وخطر لي أن بالإمكان تدبير شؤوني ليوم غد بما تبقى لدي من نقود لا تتجاوز الدينارين . لم أرد أن أنصرف ، ولكنني شعرت بأنهم أخذوا ي-لن أعود لمجالستكم إلا إذا تأكدت بأنكم ، رغم غبائكم ، قد توصلتم إلى الاعتقاد بأن الإفلاس لا يجب أن يدخل ضمن قائمة الممنوعات الإنسانية . وتركتهم وضحكاتهم المنفلتة تزداد ارتفاعاً . لم أكن مغتاظاً منهم ، وفي الحقيقة ، كنت أبتسم وأنا أخرج من المقهى مواجهاً الشارع الخالي والبرد وأفكاري المترددة الحائرة . تذكرت وأنا أدخل غرفتي بأني أردت أن أتحدث مع جاسم الرمضاني هذا حديثاً جدياً وحميمياً . كنت أود أن أسمع منه عما كان يعنيه عن قبوله الحياة التي تعرض له مهما تكن ، وعن رفضه كلياً مشاكل التمرد والمعاناة ، ففي ذلك ، كما قال ، راحة مستديمة لا تنال عن طريق آخر . لم يأتيني النوم كما توقعت . كنت متوتراً إلى درجة الألم ، في الغرفة الجرداء القارسة البرد . قمت من رقدتي أجلس في فراشي والحيرة تملكني في هذه الساعة التي سكنت فيها الدنيا سكوناً عميقاً والفجر على الأبواب . خطر لي أن كتاباً مملاً ، ترجمة مغاربية لكتاب فلسفي مثلاً أو رواية تجريبية ، عربانتبهت فجأة إلى الحقيبة الخضراء مرمية بإهمال في زاوية بعيدة عن الكتب . خامرني إحساس غريب وأنا أتطلع إلى ذلك الشيء النادر ، المرسل إلي من وراء القبر . لم تكن لدى غسان بالتأكيد كتباً تخصني ، فلقد أعادها قبل ذلك بمدة طويلة . أتذكر هذا جيداً ، كان في غاية الحرميت ما في يدي وقفزت أتناول الحقيبة ، غير مكترث لسقوط اللحاف على الأرض ، كنت خافق القلب ومنفعل غاية الانفعال . أن يكون أودعها كتاباته التي حدثني عنها مداعباً ، وخلط بين وجودها الواقعي ووجودها في الخيال ؟ أم أنه كان يحيا حياة سرية منعزلة ، ويكتب مذكراته عنسحبت لحافي وأعدته إلى السرير ثم أخذت أبحث عن المفتاح الذي قال أبوه إني سأجده مثبتاً في مكان ما . اقتلعته بسرعة ، ثم توقفت قليلاً . كنت مضطرباً لغير سبب معقول ، فأغمضت عينيَّ لحظة وتنفست بعمق مهدئاً نفسي ، ليست هذه هي الحال التي يتوجب عليَّ أن أكون فيها وكان الفجر ، متسعاً ، أخّاذاً بألوانه الحمراء والزرقاء والصفراء ، يتفتح ببطء على رقعة السماء المنبسطة باسترخاء أمام شارع أبي نواس ، وكنت أسير على مهل ، واضعاً يديَ في جيبيَّ معطفي ، أستنشق بعمق نسائم بقايا الليل الباردة . كنت بمفردي في غبش الطريق ، والنهر وجدت مسطبة تشرف على النهر فجلست عليها . أنستني حركة الأضواء المتصاعدة من الشرق تعبي . كانت الألوان تتغير بسرعة وتتألق وتندمج فيما بينها فينبعث منها مزيج براق مختلف ، يمسح برقة قطيفة السماء الناعمة ويسحب ذراع الصباح إليه . كنت مذهولاً ، مغتبطاً . نسيت تقلبتذكرت غسان وما عمله معي . لم يكن إنساناً عادياً بالمرة ، وها أنا ذا أتأكد من ذلك بعد رحيله الأبد . كان ، بحياء لا يصدق ، يخترق ببصيرته الحجب ويدرك نوع البشر الذين يعايشهم ...... ------------------ ( عن رواية المسرات والأوجاع في 464 صفحة )

    الكاتب: فؤاد التكرلي

    1المفضلة

    7101 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من فؤاد التكرلي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من رواية المسرات والأوجاع