من فصل : أم الروبابيكا.
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
[ " بالايمان .. راجعون للأوطان .. راجعون راجعون ، راجعون راجعون " " اغنية فيروزية " لماذا أدهشكم قولي ، فما صدقتكم ، إن قطيعة عشرين عاما تنسي الإنسان نفسه ؟ وهل هي قطيعة بوعي الآن أصبح شعراؤنا ملء العين والخاطر . وأصبحوا يتدفأون بصمودهم . وصاروا ينتسبون إليهم - " أولئك آبائي .." - فكيف قابلوهم قبل مذراة الخامس من حزيران ، حين أنشد شاعرناوهل هذا هو الأمر غير المعقول الوحيد الذي يجري في بلادنا ؟ تستهجنون من " أم الروبابيكا " أنها تشتري جميع دواشك القنطرة ، وتقبلون من السلطات أن ترسي مزاد القنيطرة - بكل ما بقي فيها من أثاث ، صحون قهوة وجران كبة ، فراشي أسنان ونسافات عث ، كتب الفارابي ولفائف المراحيض - على مقاول ذي مال أو ذي دالة ، وتخلي له ساحة لصوهل كان الأمر أصبح معقولا لو انها أخلت له ساحة في معرض الشرق في عنق تل أبيب ! أنا أعرف أن أحدا لم يقرر أن يقاطع معرض المنهوبات هذا . ولكن أحداً لا يقربهُ . فلا العرب يقربونه ولا اليهود هذا من ورع وذاك من جزع ، وأخريات لأن موضته قديمة . والمقاول يحلف الأيمان ، بجميع اللغات المتداولة في حوض البحر الأبيض المتوسط ، من الشام لتطوان ، أن بيته خرب ، ولا شأن له بخراب البيوت في الهضبة .. إلا " أم الروبابيكا " .. الآن أصبح هذا هو لقبها . وأصبحتم تبربرون فيما بينكم بأنها عريقة في النهـب ، وبأنها سنة 1948 نهبت سجاجيد شارع عباس ، وسكنت في القصر الذي نزح منه أبو معروف ، صاحب حانوت " العشرة بقرش " في سوق الشوام في حيفا أيام زمان . هل رأيتم في وادي النسناس قصورا ؟ من حظ هذه الأطلال أنها تقوم في واد يحميها من رطوبة البحر المالح .. ألم تشرفوا " قصور " عكا القديمة ، فتدق جدرانها النوبة لكم ، هذه الجدران التي لم يستطه سور احمد أن يصونها ؟ ألا تخجلون ؟! كنتم في الماضي تتلقفون كل سبب ، وتختلقون الأسباب لتقرعوا بابها ، فتقدم لكم القهوة .. وابتسامتها اللطيفة . وكنتم تلقبونها فيما بينكم ، بملكة الوادي غير المتوّجة . وكانت منذ ذلك الوقت تبحث عن الكنز في الدواشك . فما رأيتم غضاضة في ذلك . فما بالكم تبربرون عليها قد انشقت أمامها أرض الكنوز مرة ثانية ؟ ..إني اعرفها أكثر مما تعرفونها . لقد اصرّت على البقاء مع والدتها المقعدة حين نزح زوجها وأخذ أولادهما معه ، في سفر الخروج الأول . وحين توفيت والدتها ، بعد خمس سنين من ذلك ، سمعنا ان زوجها يرفض التعرف عليها ، ولا يرغب في أن تعود إليه . ولم تصدقوا ما كانت تقوله لكم من انها هي أيضا لا ترغب في أن تهجر بيتها . وكنتم تتغامزون عليها . وكنتم تبربرون في أن في الأمر حكاية حـب . ومن غير المعقول أن تبقى في الوادي لغير هذا السبب . فهلا أجبتموني إذن ، لماذا كان من المعقول بقاؤكم أنتم أنفسكم ؟.. إني كانت تبيع ما سحبت يداها من سجاجيد، ومن كراسي ومن مرايا . وكانت تفتح الدوشك وتبحث فيه عن الكنز، ثم تطويه وتبيعه . وربما وجدت شيئاً . ويوماً زرتها وكانت متربعة على الأرض ، وصف دوشك مبعثر أمامها . وكانت في يدها رسالة تقرأ فيها وتنشج .. فاستوضحتها الأمر . فقالت : تذكرت أولادي. - وهذه الرسالة ؟ قالت : واحدة من رزمة رسائل كان شاب يرسلها ، على ما يظهر ، إلى فتاته .. فكانت تخفيها في خرق فتحته في الدوشك. ثم مسحت دموعها وهتفت : كنوزي ، كنوزي ! وكانت تعيش على ما تجمعه من أثمان ما تبيعه من أثاث البيت ، وتقدم القهوة لكم . وترفض هداياكم . وكانت إذا دخلتم في الشعر دخلت فيه . وكنتم تسرعون إلى إكمال بيت إذا لم يأتها سوى شطره الأول . وكنتم تهمهمون استحسانا -لؤماً - إذا روت بيتا وقد كسرته. وإذا دخلتم في السياسة كانت أشدكم حماسا ورغبة في أداء مهمة . فإذا اعتقل أحدكم كانت أسرع من أمه إلى زيارته ، وحمل الطعام إليه وغسل قمصانه. عشرون سنة أكلت نيرانها ما اختزنته من حطب سفينتها المبحرة نحو كنوز الملك سليمان . كل شيء باعته سوى كنوزها وهذه النيران أحرقت شعرها ، فشاب ، ولكن ابتسامتها بقيَت خضراء لم تفحمها النيران ، لو كنتم تحفلون بابتسامتها كما تحفلون الآن بالبربرة عليها . ........ ]


الكاتب: إميل حبيبي
0المفضلة
7187 المشاهدات
0 تعليقات