• من رواية: الذاكرة المستباحة

    " طرأ منقذ على هذا العالم عام... لا يذكر أي عام على وجه الدقة. والحق أنه لم يطرأ على هذا العالم, ذلك أن ظهوره وانبثاقه كانا أمرين حتميين, تقتضيهما الضرورة التاريخية المحكومة بقوانين الأقدار الصارمة لا الصدفة. وإلا لماذا سماه الختيار (منقذ)?... هكذا يفكر م"أتكلف المرض والفصام لتمويه عبقريتي. لأواري قدراتي الكامنة التي ستزهر في اللحظة الحرجة البهية المزلزلة. تلك اللحظة المختفية في رحم المستقبل المقبل بسرعة ضارية مثل طائرة الجمبو - جيت. لقد ركبت طائرة الجمبو - جيت برفقة طبيب صديق لوالدي. وانطلقنا إلى نيويوركأحد الأطباء, وكان أصلع الرأس صقيله, قال إنني ظاهرة مدهشة فريدة, يقف لها شعر الرأس ذهولاً. لكن شعر رأسه هو لن يقف ذهولاً لأنه أصلع. قال لطبيبي الأردني, بعد أن فحصني بدقة, وسألني أسئلة أجبت عنها بلغة إنكليزية بينة بليغة مستشهدًا بين الحين والآخر, بمقطع لشكس- هل تحفظ كل ما تقرأ? . قلت دون تردد: - عن ظهر قلب, ومن المرة الأولي. أحفظ القرآن الكريم, وشكسبير, والمعلقات و... لا أقول إني أفهم كل ما أقرأ. لم أقل ذلك. قلت أحفظ. أ.. ح.. ف.. ظـ.. . وسألني مقاطعًا وهو يقطب ما بين عينيه: - ما علاقتك بالرياضيات? . قلت وأنا أهز رأسي أسى: - بغيضة. لست على علاقة إيجابية بالقوانين والقواعد المتفق عليها. . تدخل الطبيب الأردني ليثبت وجوده ويؤكد رجولته فسألني: - أنت لا تفهم العلاقة بين العلة والمعلول.. أليس كذلك? . فتحت فمي لأقول. غير أني لم أنبس. خفت أن ينكشف سري. هذا الطبيب هو العليل والمعلول. أما أنا فأتكلف العلة تكلفًا, كي أجلل سري المبجل, ودوري التاريخي الخالد. . سماء نيويورك ملبدة بالغيوم القاتمة, إذن فإن النساء سوف يتحررن من ضوء النهار الفاضح, فتطارد رغباتهن عارية بلا حياء أو تردد. قال صديق أبي (الطبيب الذي رافقني من عمان) إن السماء ملبدة بالغيوم القاتمة. (كنت أعرف ذلك) وأضاف: إذن.. سوف تمطر. . ولم أسأله من التي سوف تمطر? وما علاقة السماء بالغيوم بالمطر? إذا كان يقصد أن السماء هي التي سوف تمطر, فالسماء تمطر أحيانًا بلا غيوم. والغيوم تمطر أحيانًا بلا سماء.. في الليل الحالك بالتحديد.. حيث لا سماء, ولا تحت ولا فوق. . قال الطبيب الثاني إنني متخلف عقليّا وقد توقف نمو عقلي ما بين مطلع المراهقة... وكبوة ما قبل سن الرشد. وهذا يعني أنني حجر. أنني جماد لا ينمو. ولست نهرًا دافقًا. لكن الطبيب إياه غير رأيه حين فحصني مرة ثانية. وقال إنني لا أعاني من أي مرض. وإنني أبدو أبله ولكنالأرض تحتي ليست راسخة. والعالم ليس منتظمًا. إنني منشق عن المجتمع. لأنني ينبغي أن أتخلص من جاذبية التقاليد كي أحلق وأتجاوز وأتخطى.. وأنجز الحلم المبجل. وقال الطبيب الثاني إنني أقف على الشعرة التي تفصل بين العبقرية والجنون. . قلت لمرافقي إن أطباء نيويورك يكررون ما قاله أطباء عمان. وإنني لا أحب الهمبرغر ذا الطبقات المتراصة. وبناء على ذلك, فإنني أحب أن أعود إلى عمان. حيث أبي وسعاد والخادمة آريا, والبيوت التي تتسلق الجبال, تتعرشها مثل قطيع من الماعز. تومئ من فوق التلال, وكأنها تت

    الكاتب: مؤنس منيف الرزاز

    0المفضلة

    4588 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من مؤنس منيف الرزاز

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من رواية: الذاكرة المستباحة