مسالك الخيبة 2.
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
_ 5_ عندما اقتحمت أولى طلائع كلوزيل المدينة الخالية من السكان يتقدمها الزواف بسيوفهم وبنادقهم الطويلة ، كانت معسكر قد أخليت عن آخرها حتى من قططها وكلابها التي اعتادت أن تملأ شوارعها في أوقات القيلولة صيفا أو الزوايا والأماكن الخالية شتاء. احتلت الفيالق الأولى في الفجر الأول عندما استيقظ القبطان شونقارنييه بعد اغفاءة خفيفة ، وبدأ يعبر الشوارع التي كستها أغلفة بيضاء من المطر ، اكتشف فجأة أمامه مدينة منكسرة عن آخرها . أهم ما بقي فيها واقفا ، مسجدها الموريسكي الذي قضت فيه إحدى كتائبه ليلتها الأولى في المدينة الخالعندما فوجيء شونقارنييه بآخر الكلاب الضالة يخرج من تحت اللآلات المحروقة بصعوبة إذ لم يكن قادرا على الهرب من كثرة الجوع ، لم يتساءل كثيرا ، أخرج مسدسه وأطلق عليه النار بكل برود دم . عندما رآهم يتحركون في البدايةلم يتحرك الكلب من مكانه . فقد بقي ثابتا كالحجر_ الكلاب الضالة تنقل الأمراض . التخلص منها ضرورة . قال شونقارنييه وهو يعيد مسدسه إلى غمده . ثم أمرتوقد النار في البيوتات الأندلسية التي ظلت واقفة والمسجد القديم ودار الباي التي بقيت على حالها ولم يأخذ منها الأمير أي شيء والأسواق الكبيرة التي بقيت واقفة وانسحب بعيدا يتأملها مع مجموعة من مساعديه . ثم نزل باتجاه سوق الذهب . لم يجد إلا عددا ضئيلا من_ سنقتل يا مردوخ . ألا تحس بذلك ؟ _ وإذا أحسست ماذا بإمكاني أن أفعل ؟ _ لو استمعت إلي يا خويا ؟ رأسك خشن كالحجر الأصم . ما تسمع غير لروحك . ألم أقل لك يا مردوخ ؟ كان يجب أن نذهب مع أولادنا وراء الأمير . _ عمرك سبعون وعمري أكثر قليلا ، ماذا بقي لنا ، لا شيء . الأمير لن يفرط في الأولاد ، أما أنا فقد تعبت من التنقل . في كل مرة نستقر فيها يأتي من يخرجنا من أرضنا . أجدادي وأجدادك جاؤوا إلى هذه الأرض هربا من محاكم التفتيش المقدس ، فأين نذهب ؟ كل الدروب صارت مغوُضعت الحبال في أ?ناقهم مثل الخرفان . لم يقاوموا . مدوا أعناقهم ورؤوسهم التي ابيضت بفعل الشيب والثلوج التي عادت إلى السقوط بقوة ، باستسلام كبير وعيون منطفئة ، ركزت قليلا نحو الهضبة العالية التي سلكها الأمير وأبناؤهم الذين ودعوهم بعيونهم قبل أت تنكسر على ظفي اليوم الموالي من شهر البرد والريح والثلج ، غادرت الفيالق العسكرية المدينة بنفس النظام الذي دخلت به بعد أن جعلت المدينة مرتعا للكواسر والغربان والذئاب متوجهة نحوالمسالك المؤدية إلى وهران عن طريق مستغانم هذه المرة . _ دخلنا المدينة وخرجنا منها بدون أن نخسر رجلا واحدا . قال الجنرال كلوزيل ، هناك حروب سهلة وأخرى معقدة ولكن هذه تبدو بدون طعم . صامتة . _ وماذا كان يجب أن نفعل يا سيدي ؟ _ أن نجد على الأقل من يعطينا مبرر هذه الحرب. _ والكلاب واليهود والعرب الذين شنقناهم ؟ _ ر أدري ولكني لا أشعر بطعم إلا بطعم الرماد الذي خلفه الأمير وراءه . لا أكثر . كانت الأرجل الكثيوة تغوص في عمق الثلوج بسهولة وتخرج منها بعد مجهود كبير . حتى الخيل وجدت صعوبة كبيرة في إيجاد المسالك الأقل تعبا لها ، الكثير منها سقط على ركبتيه ولم يقف أبدا ، فترك هناك في مكانه بعد أن أطلقت عليه رصاصة الرحمة كما أمر شونقارنييه ، عادة تعكان سهل اغريس كعادته في مثل هذا الفصل قد لبس بساطا ناصعا من الثلوج البيضاء الصافية. بساط خادع إذا يتجاوز في الكثير من الأماكن المتر ويُسِطّح كل العلامات ويضيع الطرقات والمسالك . كلما هبت رياح خفيفة ، سحبت وراءها نثار الثلج الذي لا يتوقف أبدا فيغطي سماء الكانت أعواد المشانق التي نصبت وعلقت عليها أجساد العرب الباقين واليهود تبدو من بعيد وهي تتدلى كالعناقيد الجافة ، تحيط بها الكلاب الصفراء التي خرجت فجأة من مخابئها على الرغم من البرد والجوع والمطر ، تنظر لها باشتهاء بينما الكواسر تقتحم الأدخنة العالية ، تختر


الكاتب: واسيني الأعرج
0المفضلة
25289 المشاهدات
0 تعليقات