من كتاب دروب
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
لو شئت أن أحدد النقد بثلاث كلمات لقلت : إنه عمل الحياة الدائم ، فهي ما زرعت السماء شموساً وأقماراً وكوكبات ومجرات ، ولا فجرت من أديم الأرض هذه الأشكال ما بين سائل وجماد ونبات وحيوان وإنسان ، ولونتها بسائر الألوان ، ولا ربطت كل ذلك بنظام شامل مانع لتقبع منفلو أنه كان أقصى ما تستطيع أن تتوخاه لما أمعنت فيه تبديلاً وتغييراً ، وتحريفاً وتحويراً .فما تفتت نجوم وتكورت نجوم ، ولا بركان ، وطغى بحر ، وزمجر إعصار ،وقرقر زلزال ،ولا كان إنطلاق بعد انغلاق ، وانغلاق بعد انطلاق ، أو نمو ينتهي إلى انحلال ، وانحلال ينتهي لو كان لنا أن نُجري على هذه الحركة الكونية التي لا تنقطع ولا رفة جفن مثل الأحكام التي نجريها على حركاتنا البشرية لقلنا إنها ناجمة عن قلق وشوق في آن معاً . فنجن لا نأتي حركة من الحركات - عفوية كانت أو عن سابق قصد وتصميم - إلا نتيجة لعدم اطمئناننا إلى وضع نما كان الإنسان في حاجة إلى التفكير والتمييز والخلق والتخيل والإرادة والإفصاح عن هذه جميعها لو لم يكن العالم الذ يسكنه عالماً إزدواج ثم تناقض كل ما فيه . فذكر وأنثى ، وبعيد وقريب ، وطويل وقصير وحار وبارد ، وثقيل وخفيف ، وأبيض وأسود ، وحلو ومر إلى آخر ما هنولا كان القلق والشوق لولا الحاجة الدائمة إلى الاختيار ما بين هذا الشيء ونقيضه ، أو ذلك الفكر وعكسه ، أو هاتيك العاطفة وأختها التي على الطرف الآخر منها . فنحن مدعوون في كل لحظة من وجودنا إلى التافكير والتمييز والاختيار - أي إلى النقد .


الكاتب: ميخائيل نعيمة
0المفضلة
70926 المشاهدات
0 تعليقات