مقالة: وأودّع الرياض مفطور القلب.
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
ثلاثة أعوام قضيتها "هنا" راكمت تجربتي في مناحيها المختلفة، وعرّفتني إلى الحياة بشكل من الأشكال، وأنتجت وعيها الخاص في ذاكرتي، وخلّفت تفاصيل صغيرة وكبيرة، وآلام، وانتصارات، وهزائم كبرى وصغرى. عرفت خلال السنوات الثلاث المتصرّمة صنوف من البشر، وخالطت أنماط من الثقافات، أحببت بعضهم، وأشفقت على بعض لما خطّته التجارب السالبة والترسبات على قلوبهم. مرّت أحداث كبيرة، وأخرى صغيرة. تغيّرت أشياء، وبدت أشياء أكثر وضوحا بالنسبة لي. خسرت كثيرا وكسبت أكثر. اعلى "الجنادرية" التي عرفتني إلى (الطيب صالح) و(سعد البزاز) و( عرفان نظام الدين) و(يحيى السماوي) و( عبدالله المعراوي) و( فاروق جويدة) و(مصطفى بكري) و(نجدة أنزور) و( منير الحافي) و(حسن صبرا) و(بلال الحسن) و( رشيد عسّاف) و( زياد الصالح) و(ميلاد حنا). الرياض التي عرفتني إلى شعوب شتى، وثقافات متباينة وأتاحت لي فرصة احتكاك واسع بالشعوب، على الرغم من تقشفها الاجتماعي الواضح و" الكنتونات" التي يعيش بداخلها الجميع. مكنتني الرياض في أول عهدي بها من تضميد جراح بعدي عن الوطن بإلهامي كتابة رواية. عرفتني الرياض علّمتني "الرياض" أسوأ عاداتي: السهر، والإكثار من التبغ ! . (البلاد)، ( الزمان)، (الحقائق) ثم أخيرا ( العربية)، محطات تقيس _ من زاوية أخرى _ ملامح الغربة بوجهها الايجابي. تعلّمت صنعة الإعلام على نحو أفضل، وخبرت فنون أكثر، وخلقت تواصلا جيدا مع أقطاب لا يستهفي الرياض شخصيات أحبها حتى الثمالة. إبراهيم ( البنغالي) الذي كان يقدم لنا الشاي وابتسامة تذيب جليد القطب الشمالي مرتسمة على شفتيه دائما. دينا، ابنة خالتي ورفيقتها في الشيطنة.. نجوان. طفلتان من الجمال الفادح والروعة بقدر الملائكة. دينا بالذات مجنونة تماما في أثناء فترتي بالرياض تجرعت الألم الأعظم والممتد في حياتي. الحزن الذي لا يقهره أي فرح قادم مهما علا شأنه: بعيد قدومي إلى الرياض بشهرين، رحل... إبراهيم عويس !! سيظل اسم الرياض مرتبطا في ذهني برحيله. حين نقل إلى كمال عووضة الخبر في حديقة المستشفى العسكري مهذا الصوفي الأخير. هذا الوالد الحنون الرحيم الذي لم أره في حياتي إلا مبتسما محبا للجميع و" الأطفال" خصوصا. هذا الأب العظيم الذي علمني أن الأبوة الحقة تعني العطاء النادر والمحبة غير المؤذية وفقا لرؤية تجسّد فلسفته ( لا للتدليل المفرط ولا القسوة البالغة: خيذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف وحدي !! وسأبقى وحدي دائما من بعد رحيله. فالحزن الأكبر ليس يقال، الحزن الأكبر ليس يقال. عرفت أياما قاسية في هذه المدينة التي لا تربت على شعر أحد، ولا تعرف المواساة. عشت فترات كالمشرّد، من دون عمل أو نقود. حتى السجائر كنت أجد مشقة في الحصول عليه. بقيت مدة أبحث عن عمل. الأبواب _ كالعادة _ موصدة "بإتقان" فهي لا تفتح إلا لذوي الحظوة. خطواتي المنعرفت _ في المقابل _ أيام كثيرة رائعة. انطوت على نجاحات مهنية وقدر من الاستقرار النفسي. أعترف: الرياض علمتني أن أعمل بجد. وأن أفيد من كل لحظة لمعرفة شيء جديد من فنون الإعلام والصحافة. بعثت بي إلى بيروت ولندن والدوحة ودبي وأبي ظبي. ازدادت علاقتي قوة بنجلاء.الرياض، ليست مجرد مدينة. إنها جزء من ذاكرة متخمة بالتعاسة والفرح. مختلطة فيها دموع السعادة بآهات الوجع. طعم النجاح، وطعم الفشل. هل بمقدوري مبارحة الرياض من دون الكتابة عنها وعني وعن ناسها وشوارعها وذاكرتها وجغرافية جسدها وتاريخها، أوجاعها وأفراحها.


الكاتب: خالد إبراهيم عويس
0المفضلة
8611 المشاهدات
0 تعليقات