• قصة: ذاكرة الرقص.

    كانت حياتي تمر بحالة تثاؤب فاردة ذراعيها على مقعد مريح ترقب البحر بعيون كسلى... قررت فجأة أن أتواطأ ضد صمت يغلّف عقارب الثواني لتستحيل إلى دهور مرعبة.. قررت فجأة أن اركب أول طائرة إلى " أديس"... فاجأتني هكذا رغبة الرقص،، هذه هي أجسادنا ، تباغتنا أحيانا "أحيانا..؟؟؟" برغبات مضحكة وربما شريرة، لا بأس فلأتعود على التصالح مع جسدي على ان افلسف امر الرقص هناك تحت امطار اديس وسمائها السخية ، عجيب هذا الامر ، تشيا للغزالات السمراوات اللائي لا يثرن فيك اية رغبة ذكورية ،، كأنهن قطع موسيقية او لوحات مضيئة ... هن جزء من فن هذه المدينة وهيامها ... لمحتها .. هناك منذوية ، كانت تبكى على غناء " ابرام " .. فجأة التقت اربعة عيون ... كلها تجمدت فيها دموع عميقة تحكى عن زلزا: من ! انت ؟ : هل افرطت فى الشرب ؟ : كلا انا لا اشرب آه نسيت .. علىّ الا ادعى بعيدا عن وطن تحلو فيه الاكاذيب الاخلاقية والسقطات الصغيرة التى تخفى امورا ابشع ... : آآآ نعم شربت كأسين فقط ... لكن .. : لكن ماذا ؟ قلت لها : انت اثيوبية ؟ : يمكنك ان تدعونى " استير " .. عشت ببلادكم ايام طفولتى : اي قدر قادنى الى هنا لألتقي بك ؟ : هل تعودت على الهروب من القدر ؟ : آه ... ربما احيانا .. اقدارنا تهرب منا لم اشأ ان اسألها عن سبب بكائى وفضلت هي الصمت عن سؤالي للسبب ذاته : لم ار افظع من عينيك .. : لك اسلوب ناعم جميل برغم غرابته : فيهما كل شىء .. يختصرات كل التواريخ فى عتمتهما وضوئهما : الهذا دخت ؟ : ان نلتقي بمعجزة .. فهذا امر يدعو لتوقف النبض : جئت لتستريح ؟ : جئت لأرقص ،، كل شعوب الدنيا ترقص فرحا .. انتم برغم فرح موسيقاكم الا ان اجسادكم تضمر احزان الكون وتعبئها فى الرقص باغتتنى ، قامت لتشغل اسطوانة وتندمج فى الرقص الى درجة نستنى تماما ، كانت تبكى هذه المرة بكل اجزاء جسدها ، نوبات ! من البكاء كنت احسها تصعد فى انحائها وتهبط فى دوائر انيقة وتجمّع الدموع على اطراف اصابعها لتهطل مطرا ورديا .. يتمايل عنقها فى كل الاتجاهات لتضهل نترحل عبر المدن بحث! ا عن حب كالطاعون ، لا شفاء منه ؟ انا كنت اترحل بحثا عن رقص فاصطادنى الطاعون ، ظننت اننى بالرقص اطرد الحالة المتأرجحة التى كنت اعيشها ، حالة الثلج ، فاذا بى انقلب الى النقيض تماما ، يرفع اللهب السنته من صدرى ، نويت قضاء اسبوع ، فبقي: فلنذهب لأديس نايت باند : ابرام ايضا؟ ليس فى الرقص الاثيوبى ذلك التلامس الجسدى بين اثنين ، المفضى الى تشتيت ذهنك عن متعة الرقص الخالص ، ولا فيه تعرية للأجس! اد تغريك بلذة التسكع بعينيك على الاقاليم المختلفة ، اديس ترقص بحرية ، لترقص فقط ، وحدك ترقص ، دون وعى ، دون اية رغبات اخرى تختلج فى صدرك: انت من هنا .. من اديس ؟ راحت عيناها تتابعان سيجارتى فى ما راحت تقول ببطء مثير : انا من كل الانحاء ... لى هدير ال! شلالات ، وسفر النيل الى الشمال ، وكيمياء المطر .. ونكهة حقول القهوة فى اليوم التالى كنا فى حقل للقهوة ، نفترش العشب ، ونتحدث عن السياسة ، كانت آلامها نابعة من حلم اشتراكى اطاحت بشمعته الريح ، كانت انثى "لومببية " يجرى لومببا فى دمائها ، وتشتعل اشعار سنغور ، تتحدث بعمق عن آلان باتون الجنوب افريقى ، وتعشق "ماندى" كما تدعوه - كم عمرك أستير؟ فاجأتها بالسؤال.. وكأنها اخترقتني بنظرة دهشة، سكبت فيها من اللوعة والجنون ما أعجز عن وصفه، فقالت كأنها تصحح سؤالي: عمر أحزاني أو أفراحي تقصد؟ قلت: مجموعهما! أجابت وهي ترش وجهها برذاذ الماء كأنما لتفيق من حالة سكر منهك: لم تعلمك أديس بعد كيف تقرأ تقاطيع العمر على الأرواح الراقصة! تناولت يدها.. تأملت تلك الأصابع الرقيقة الشاحبة، وددت لو أجعل منها "فينوس" أخرى.. كاملة الأطراف.. فينوس راقصة.. تغذي روحك بحياة أسمى.. تسر إليك بما تحمله أديس من حكايات وأسرار.. قلت لها مراجعا: علميني.. وددت لو أتعلم الحساب على يديك! وكان لي أن قضيت ليلة كاملة أقرأ في كتاب عينيها ما خطته إفريقية برمتها.. قرأت سطوة الشمس ورائحة الرمل الأسود والماس المتلألئ في النفوس.. أوشكت أن أرمي نفسي في عالم من الغياب اللذيذ! لم يكن لي تاريخ أسرده عليها.. تاريخي يغنيه إبرام كل ليلة، وإن لم أحكه.. فإنني أقرؤه على كل لسان!! هنا.. فقط في أديس.. وكأن تاريخي يشطب حالما أعود إلى سيرتي الأولى! أنهكتني لعبة الأسئلة، وكأنني طفل في حضانة أديس يرغب عنها ويرغب فيها، قالت لي ونحن نرشف القهوة: هذه القهوة مثلنا.. نزرعها.. تنبت.. نطحنها.. نشربها.. وتتوحد معنا حتى نصبح عبيدا لها! هززت رأسي: أجل.. تطحننا.. ونصبح عبيدا لها.. مثلما أصبحت عبدا.. لأديس! صححت: عبد.. حر بعبودية حرة! قلت: ومتى كان العبيد أحرارا؟ أجابت: يوم اختاروا عبوديتهم.. بحريتهم! سألت: وأنت.. حرة؟ انفرجت شفتاها عن ابتسامة لؤلؤية وأجابت بما يشبه الهمس: اسأل أديس! بقينا هكذا زمنا.. نتأمل كل شيء.. نمعن في التحديق في أرواحنا، نرشف من كأس العمر مشربين بالحزن السعيد، لم يكن يعنيني أن أعرفها كثيرا، ولا هي أيضا.. فالمجهول أطهر من أن تكشف ستره! انتابني هاجس العودة فجأة.. خيل إلي أن هذا الحلم سينتهي إلى كابوس، أو ربما خشيت على سعادة أديس أن تفر من بين يدي.. أن أغتالها أنا.. أن أكسر مشط شعرها الذهبي دونما قصد! لم أخبرها أني مسافر، لملمت حقائبي على وجه السرعة، ذاك أن القدر غريم يقتنص فرص الهروب ليتوجها بحضور مباغت للعودة.. وكان أن وجدتها في المطار.. لفت شعرها بوردة قماشية حمراء.. وارتدت فستانا أبيض موشى بالأحمر.. - أتمنى لك عودة سعيدة! - ما كنت آتي لأديس إلا لأرشف من كأس خمرها السعادة وثلجها الحزن! ثم مدت إلي شيئا ملفوفا بورق لم أتبين كنهه.. وأردفت: هذه من أديس! حبست دمعة غصت بها عيناي: أتظنين أني سأعود حرا يوما ما؟ كانت ابتسامتها شاحبة.. ولم يبق من صورتها إلا هذه اللفافة.. أفتحها في الطائرة لأكتشف أنها منحوتة خشبية لراقصة من أديس.. وأغرق في بحر من الدهشة.. أسمع إبرام يغني.. والراقصات بأجسادهن المحلقة.. يرقصن على جمر أديس الحنون.. وأرقص وأرقص.. عائدا إلى أقفاص الحرية

    الكاتب: خالد إبراهيم عويس

    0المفضلة

    7970 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من خالد إبراهيم عويس

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • قصة: ذاكرة الرقص.