قصة: حساء رديء
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
كان حساء الليلة الماضية رديئا. فكرت أن أخبر فاطمة بذلك قبل خروجي فقد تحاول أن تعده أحسن لاحقا. بسرعة ارتديت المعطف واندفعت نحو الباب حتى كدت أدوس الطفل. لطمت الباب خلفي وكان الطفل يبكي. تصطدم عيناي بالشمس في الخارج.. الرؤوس تستقبل الأشعة بكل كسل في محطة الحافلة.. تأتي أخيرا.. وتزحف مثقلة ببشر من درجة معينة متفقون على أن اليوم هو الاثنين وبداية أسبوع آخر.. و -أي!... سحق أحدهم قدمي. الصباح لله.. سأبدأ أولا بالسيدة صاحبة بيع الأجهزة الكهربائية فقد وعدت أن ترى في الأمر وأخبرتني أنها تستطيع استقبالي في التاسعة صباحا.. وقفت أمام زجاج "الفيترينا" أصلح بعجالة من حال شعري الذي نفشه ركاب الحافلة المنفوشي الشعر.. كل شيء على ما يرام. - لدي موعد مع السيدة صاحبة هذا المحل. قالت إنها ستستقبلني في التاسعة... (نظرت إلى ساعة يدي البلاستيكية) التاسعة بالضبط. الرجل بدين بعض الشيء وأبعد ما يكون عن اللطافة. -المادام ماكايناش. -ولكن قد وعدت أن ترى في الأمر وأعطتني موعدا على... -يمكنك أن تعودي بعد ساعة.. طرأت لي فكرة أن أقوم بجولة في شوارع المدينة أكتشف صباحها.. انفلتت مني ضحكة.. أي صباح وأي مساء وأي.. زفت! تذكرت ابن خالتي الذي يعمل "زفاتا" في مدينة "ليل" بفرنسا.. زفات يعني أنه يأتي في عطلة الصيف ببذلة مستعملة مكوية جيدا حتى تختفي أثار صاحبها الأول الفرنس- ألم تجدوا سوى حمارة السي الحاج؟! وجدت نفسي أسأله وأنا لا أتمالك نفسي من الضحك ?! السي الحاج هو شيخ القبيلة أما حمارته فكانت سوداء بعيون لامعة، وكان الوقت حصادا.. حين ذهب الكبار إلى الحقول، كان الصغار الأشقياء قد "برمجوا" العشية. تقول الطفلة "عيشة" ذات الأنف الأفطس، وهي من ضمن شاهدي العيان، أنه عندما كان الأولاد يخترقون الحمارة بنتوءاتهم الصغيرة كانت "تفرنس" فتظهر أسنانها، كما كانت عيناها تلمعان أكثر من أي وقت مضى. بعد ذلك كانت "أمي عيادة" التي تحب التفكه بمثل هذه الأمور تحكي كيف لا زالت أتجول.. مررت أمام مكتبة.. في الواجهة كانت تلوح الكتب التي لم أقرأ بعد.. تذكرت جائع "أيام من عدس".. كان يدخل هكذا المكتبات ويقتني ما يشاء ثم يخرج. هل أستطيع؟ اتجهت رأسا نحو الجناح الأيمن: كتب تاريخ ? روايات ? دواوين ? كتب دينية ? استدرت إلى الجناح المقابل.. كتب علمية ? في كل الاختصاصات. تناولت كتابا "لبارث" شاهدت طبعة منه في الواجهة. قرأت الدفة الأخيرة من الكتاب.. حقيبة يدي الضخمة مفتوحة، سأدعه إذن ينزلق داخل-هل حضرت السيدة؟ ينظر إلي بغضب وكأن المحل محل أبيه.. يهز رأسه سلبا.. وبالكاد يجيبني أن لا ? -مع أن الساعة هي العاشرة والنصف! -قلت أن السيدة لم تحضر وقد لا تحضر وفوق كل هذا ليس لدينا مكان شاغر للعمل. لدينا امرأتان تقومان بأعمال التنظيف يوميا. أعمال التنظيف؟ ماذا تشرحين إذن لهذا اللعين؟ هل تشرحين له ما قالته سيدة المحل؟ هل تخبريه أنك ضقت ذرعا بحساء زوجة أخيك وصراخ الجوقة التي أنجبا في مدة تسع سنوات بنسبة واحد كل سنة؟! أم تخبريه أنه في الواقع.. لم تأت للتنظيف.. بل لأن جيبك نظيف.. وأن السيل بلغ اكان البدين يستقل زبناء.. تعودين غدا؟ أجل أعود غدا؟ أجل أعود غدا، سأطلب صباحا آخر من "الباترون" صاحب المخبزة.. وأعود فقد أجد السيدة. في البيت نسيت مرة أخرى أن أخبر فاطمة رأيي في حساء ليلة أمس الذي بكل بساطة يشبه كل حساءاتها الماضية.. فلتطوره أو لا تطوره فأية حماقة عملية التغيير هذه التي تنفخ دماغي منذ لا أدري متى؟.. أخي لم يلاحظ أبدا أن الحساء رديء وأن صراخ الجوقة يتزايد كل سنة وأن ثم- فاطمة ! كان حساؤك رديئا ليلة أمس. - حقا؟ لا يهم أخوك مستعد أن يتجرع أي شيء. لابد أن ابن خالتي أيضا مستعد أن يتجرع أي شيء.. الحساء.. الزيادة في السكر.. الخبز.. والسجائر.. وجوقة "الكورال" التي لا تتوقف عن الصراخ.. الموحد هكذا إذن.. " إلى الجحيم يا ابن خالتي الأقرع! " فاطمة بقربي تغير لباس الطفل.. انفضت لصراخي.. -ماذا؟ ماذا بك؟ ما هذا الذي تقولين؟ -لا.. لا شيء.. لا شيء إطلاقا ? *******


الكاتب: لطيفة باقا
0المفضلة
6756 المشاهدات
0 تعليقات