من كتاب البيادر
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
إن شاء الله ما وقفت مرة على منبر إلا تمنيتها أن تكون الوقفة الأخيرة. لأنني في كل ما أقوله للناس، أحاول أن أفرغ وجدي في وجدانهم، و راحي في أرواحهم، فتصدني منهم طبلة الأذن عن شغاف القلب، و حدقة العين عن بؤبؤ البصيرة. فأترك المنبر و كأني ما بحت بوجدي إلاّ لأزيد في وجدي،في ذلك العالم يتعانق الإله و الإنسان، و يندمج الجماد و الحيوان، و يمتزج الزيت بالماء، و تلتصق الأرض بالسماء. هنالك لو فتشتم عن غدكم لوجدتموه في أمسكم، و عن مهدكم لاكتشتموه في رمسكم، و عن والدكم للقيتموه في ولدكم، و نفسكم لألفيتموها في كل نفس. هنالك لا قبل و لا بعد، لا فوق و لا تحت، لا شناعة و لا جمال، لا حرام و لا حلال، لا وزن و لا قياس، بل آزال تنتهي بآباد، و آباد تنتهي بآزال، و روح منبث في كل منظور و غير منظور، و "هنالك" ليست غير "ههنا" بيد أن الناس لا يبصرون. و لأنهم لا يبصرون ترونهم قد جعلألستم تسمون مَن شارككم في دم أبيكم و أمكم و لحمهما، و رضع الثُّدىَ التي رضعتم، أخاً لكم أو أختاً؟ فكيف بمن شارككم في لحم الحياة و دمها و من يرضع البقاء في كل لحظة من الثديّ التي ترضعون؟ ألستم تقدسون الأخوة و تؤمنون بأن صُلب الأخوة المحبة؟ فما بالكم تؤاخون القليل و تنبذون الكثير؟ و تحبون الواحد و تكرهون الألف؟ إن أخوة كهذه لأخوة مقصومة الصلب لا تنزّ إلا القيح و الوجع. إن محبة كهذه في عينها رمد و في أمعائها هواء أصفر. و ما زلتم معرضين عن األستم تمشون على الأرض، فتحملكم و لا تنوء بكم و لا تئن؟ فما بالكم تحملون الأرض فتنوءون بها و تئنون، ثم تشكون الأرض إلى السماء، و السماء ما كلفتكم يوما بأن تحملوا الأرض، بل كلفتها أن تحملكم، و هي تقوم بوظيفتها خير القيام؟ ألستم تتهافتون على قصاع الحياة؟ فما بالكم تهربون من قدور الموت؟ و لو لم تكن قدور الموت مملوءة أبداً لكانت قصاع الحياة فارغة أبداً. أتخافون الموت؟ إذن فكيف تركنون إلى الحياة و أنتم عارفون أنها تقودكم إلى الموت؟ من كره الموت فليكره الحياة، و من أحب الحياة فليحب الموت. فما الموت إلا حقل اللكنني أقول لكم إنّكم لو أنفقتم العمر في الشكر لربّ الحياة و الموت لكنتم مع ذلك إلى الكفران أقرب منكم إلى عرفان الجميل. ها هو العالم من حولكم يكاد يختنق بالدخان الذي تثيره أوهامه، بأن الحياة سلعة تباع و تشرى أو تغتصب بحدّ السيف. و أن البعض يأخذ منها أكثر من الآخر، و أن هذه الكتلة من الناس أحقّ ببركات الوجود من تلك أو هاتيك. يا ويل هذا العالم من غروره! فهو يدعي المعرفة و ما يزال بعيداً حتى عن عتبتها. ما قولكم، لو كان أحدكم ربان سفينة في بحر، في صبي لا يعرف شيئاً عن تركيب السفينة و الميناء التي جاءت منها و الميناء التي تقصد إليها، يأتي الربان قائلاً بلهجة الأمر: "أعطني الدفّة"؟ ألا يضحك الربانُ منه و يسير بسفينته إلى المنياء التي يريد؟ ما قولكم لو كان فكيف بالحياة التي لا حدّ لأعاليها و لا قرار لأعماقها و لا نهاية لعجائبها، يقوم في وجهها أحد أبنائها القاصرين- الإنسان- و في يمناه ميزان و في يسراه ذراع و يقول لها بلهجة السيد المتعنت: "بهذا الميزان، و بهذه الذراع أريد أن أصحح ما اختلّ من موازينك و مقاييسكهكذا يشقى العالم بغروره و سيظلّ في شقائه إلى أن يتعلّم ما تعلّمه هذا الشرق من زمان ثمّ نسى معناه- إلى أن يتعلم قول "إن شاء الله". فالمشيئة لا تكون بغير معرفة، و المعرفة لا تكون بغير مشيئة، بل إن المعرفة هي المشيئة، و المشيئة هي المعرفة، أمّا الجهل فلا مشيئة له. كيف لمن يجهل من أين أتى أن يشاء إلى أين يمضي؟ أم كيف لمن لا يعرف علّة وجوده أن يحتم هذه الغاية، أو تلك لوجوده؟ كيف لمن لا علم له بالأسباب أن يقر النتائج؟ لا. ليس يعرف شيئاً من ليس يعرف سوابق ذلك الشيء من الأزل و لواحقه إلى الأبد. من كان في مستطاعه أن يقوللو تعود الإنسان قول "إن شاء الله" بقلبه لا بلسانه لما عتمت المعرفة أن سكبت من نورها في قلبه. و إذ ذاك لآزرت المشيئة العامة مشيئته فأسعدته، بدلاً من أن تسحقها فتشقيه. لكنّه لاهٍ عن مشيئة الحياة المبصرة، و ما في طاعتها من طمأنينة لا تدرك، و غبطة لا توصف، بمأوَلا ترون كيف أنه يرهق جسده بتوسيع نطاق حاجاته إلى حدّ لا يطاق، و يخنق روحه بتضييق نطاق حاجاتها إلى حد لا يطاق؟ ما أبسط حاجات الجسد و أقلها لمن يعقلون! فالذي وهب الإنسان الفكر و ما فيه من سحر، و الخيال و ما فيه من قوّة، و الشعور و ما فيه من جمال، لن يبخلأوَلا ترون كيف أنّه يدأب الليل و النهار في تحصيل ما يحسبه ثروة أو غنى، جاهلاً أن الغني من استغنى عن الشيء لا به، و أن الزيادة في ثروة المادة نقصان في ثروة الروح؟ يا للعار أن يصبح مالك الكون مملوكاً لمال أو عقار! يا للخزي أن تغدو صورة الله سلعة في أسواق الكسب و الخسارة و النخاسة و الدعارة! يا للهزيمة أن يهرب مثال الله من الله إلى كهوف الهمّ و مفاوز الشكّ و الشقاء! ألا فرجوا عن صدوركم فأنتم أقوى من الفناء، لأنكم أبناء الحياة التي لا تفنى، و أنتم أغنى من أن تستعطوا، لأنكم ورثة الحياة التي تعطي أبداً و لا تستعطي. أنتم أشد من أن تخور عزائمكم، للا تهتموا بالأسباب لأنكم تجهلون أسباب أي عمل من أعمالكم و فكر من أفكاركم أين تبتدئ، و لا بالنتائج لأنكم لا تعرفون نتائج أي عمل من أعمالكم، و لا أي فكر من أفكاركم إلى أين تمتدّ؛ و اعملوا في حقل الحياة الفسيح، مؤمنين بأنها لن تكون إلا عادلة في كل ما تقضيه لتلكم في اعتقادي هي محجة المحجات، و الناس كلّهم مدركوها يوماً ما- إن شاء الله! منقول من كتاب « البيادر »


الكاتب: ميخائيل نعيمة
0المفضلة
82168 المشاهدات
0 تعليقات