• من كتاب تجديد ذكرى أبي العلاء

    وبعد فمن الذي ينكر علينا أن نقول : إن فناً جديداً من فنون الشعر قد حدث أيام أبي العلاء ، ولم يعرفه الناس من قبل ؟ وهو الشعر الفلسفي الذي أنشأه أبو العلاء نفسه ، فمن الذي يدلنا على ديوان أنشئ لا لغرض إلا لشرح الحقائق الفلسفية وحدها ، في العصور الإسلامية الهناك اعتراض قيم نبدأ نحن بإيراده والإجابة عنه ، قبل أن تهم بنسيانه أو الغفلة عن مكانه ، وهو أن رقي الشعر يستلزم قوة في الأمة تضاعف حظ الخيال من الحركة ، وتبسط ظله إلى ما وراء الأشياء الواقعة ، والأمة الذليلة لا يمكن أن يكون لها شعر راق ، إلا في فن التضرع *** لفظ الفيلسوف كلفظ الأديب ولفظ العالم ، مبهم غامض الحدود ، فمن الناس من يفهم منه الخارج على الدين ، ومنهم من يدل به على من يبتدع الجديد ، ومنهم من يطلقه على من يدرس كتب الفلسفة درساً علمياً ، فإذا قيل أن أبا العلاء فيلسوف ، ضاع الرجل بين هذه المعاني المختلمهما يكن أصل هذا اللفظ في اليونانية ، ومهما تكن معانيه عند المسلمين ، فإنا نفهم منه رجلاً درس العلوم الطبيعية ، والإلهية ، والخلقية ، درساً علمياً متقناً وبسط سلطانها على حياته العلمية ، وسيرته الخاصة ، فلم يكن تناقض بين هذه العلوم وبين أعماله . *** مع أن الإنسان مفطور على حب البحث ، والرغبة في الاستطلاع فإن الحياة وأطوارها قد تصرفه عن مقتضى هذه الفطرة ، وتقنعه بنتائج ما لغيره من البحث ، فينفق أيامه مقلداً في علمه وعمله جميعاً ، فإذا رأيت رجلاً نجم من بيئة اجتماعية ما ، فخالف هذه القاعدة وشذ عن هذا

    الكاتب: طه حسين

    0المفضلة

    45459 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من طه حسين

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من كتاب تجديد ذكرى أبي العلاء