• من كتاب دعاء الكروان

    الأم محنقة على ابنتها والفتاة نافرة من أمها لا يتصل بينهما حديث ولا تثبت عين أحدهما في عين الأخرى ، إنما تتفاهمان بالإشارة أو الجمجمة . فإذا التقت أعينهما فما أسرع الإطراق إلى رأسيهما ثم ما أسرع ما تدعو حاجة مرتجلة منتحلة إحداهما إلى أن تولي مدبرة لتنأى ع*** أقبل من في الدار من النساء ومن انضم إليهن من نساء القرية البائسات على الطعام مسرعات تتزاحمن بالمناكب ، ويتدافعن بالأيدي ، ويتزاجرن باللفظ واللحظ ، ويرتفع في أثناء ذلك منهن دعاء لصاحب الدار أن يوثق الله حزامه ، ويعلي مقامه ، ويصرف عنه الداء وينصره على الأ*** فما أبعد ما بين هذه الأيدي الغليظة الخشنة قد تقلص جلده وتقبض وهي تغوص بما فيها من الخبز غوصاً في القصاع فتصيب منها ما تستطيع ، وما بين تلك الأيدي الرقيقة الناعمة المترفة التي لم تكن تمتد إلى ألطباق إلا هينة ، والتي لم تكن تمس ما في الأطباق إلا بهذه الأدوا*** ما أبعد ما بين هذه الأفواه الفارغة التي يلقى فيه الطعام إلقاء على عجل فلا يكاد يستقر فيها حتى تزدرده الحلوق ! وكأنه الطبيعة لم تودع هذه الأفواه حساً تجد به لذة ما تأكل وما تشرب وإنما اتخذتها طريقاً إلى الحلوق ، ثم إلى الأجواف ، وما بين تلك الأفواه الصغيرة

    الكاتب: طه حسين

    0المفضلة

    60033 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من طه حسين

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من كتاب دعاء الكروان