من كتاب التربيع والتدوير
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
قد اعتدنا في معصيتك والخلاف على محبتك ، مرة بالمزاح ، ومرة بالنسيان ، ومرة بالاتكال على عفوك . وعلى ما هو أولى بك . والجملة أنا لو اعتمدنا ، ثم أنكرنا ، لكان لفضلك ما يتغمده ، وفي كرمك ما يوجب التغافل عنه فكيف وإنما سهونا ثم تذكرنا ، واعتذرنا ثم أطنبنا ؟ فإن تقبل فحظك أصبت ، ولنفسك نظرت . وإن لم تقبل فاجهد جهدك ، ولا أبقى الله عليك إن أبقيت ، ولا عفا عنك إن عفوت ، وأقول كما قال أخو بني منقر : فما بُقيا عليَّ تركتماني : ولكن خفتما صدر النبال و الله لئن رميتي ببجيلة لأرمينك بكنانة ، ولئن نهضت بصالح بن علي لأنهض بإسماعيل بن علي ، ولئت وصُلْت عليّ بسلمان بن وهب لأدمغنك بالحسن بن وهب . وأنا أرى لك أن تقبل العافية ، وترغب إلى الله تعالى في السلامة . واحذر البغي فإن مصرعه وخيم ، واتق الظلم فإن مرعاه وبيل . وإياك أن تتعرض لجرير إذا هجا ، وللفرزدق إذا فخر ، واهرثمة إذا دبر ، ولقيس بن زهير إذا مكر ، وللأغلب إذا كَّر، ولطاهر إذا صال . ومن عرف قدره عرف قدر خصمه ، ومن جهل نفسه لم يعرف قدر غيره . وعليك بالجادة ودع البُنَيَّات . فإن ذلك أمثل لك ، وأنت والله تعلم على الاضطرار ، وعلم الاختيار ، وعلم الأخبار ، أني أظهر منك حرباً ، وألطف كيداً ، وأكثر علماً ، وأوزن حلماً ، ، وأخف روحاً ، وأكرم عيناً ، وأقل غشاً ، وأحسن قداً ، وأبعدغوراً ، وأجمل وجهاً ، وأنصع ظرفاً ، وأكثر ملحاً ، وانوأنت رجل تشذ من العلم ، وتنتف من الأخبار ، وتموِّه نفسك ، وتُعزُّ من قدرك ، وتتهيأ بالثياب، وتتنبل بالمراكب ، وتتحبب بحسن اللقاء ، ، ليس عندك إلا ذاك . فلم تزاحم البحر بالجداول ، والأجسام بلأعراض ، وما لا يتناهى بالجزء الذي لا يتجزأ ؟ وما يعدل بين القناة والكرة ؟ وبين رحى الطحان وبين سيف يمان ؟ وإنما يكون التمثيل بين أتم الخبرين ، وأنقص الشرين ، وبين المتقاربين دون المتفاوتين . فأما الخل والعسل ،والحصاة والجبل ، والسم والغذاء ، والفقر والغنى ، فهذا مما لا يخطء فيه الذهن ، ولا يكذب فيه الحس .


الكاتب: الجاحظ
0المفضلة
26032 المشاهدات
0 تعليقات