من رواية الأخدود ( مدن الملح )
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
في وقت من الأوقات كانت حران مدينة الصيادين والمسافرين العائدين، أما الآن فلم تعد مدينة لأحد. أصبح الناس فيها بلا ملامح. إنهم كل الأجناس ولا جنس لهم. إنهم كل البشر ولا إنسان. اللغات إلى جانب اللهجات والألوان والديانات. الأموال فيها وتحتها لا تشبه أية أموالهكذا رآها محمد عيد وهو ينظر إليها من جديد. لقد عاش هنا سنوات عديدة. عاش البداية كلها. رأى الأحجار وهي تركب بعضها وترتفع لتصبح بنايات عالية. ورأى الشوارع وهي تشق لتصبح مسالك للبشر والدواب والسيارات. ثم رأى الدكاكين والمطاعم وهي تتوالد مثل الفطر. ورأى دار امستشفى الشفاء، الذي قضى فيه معظم وقته حين كان في حران، تحول الآن إلى مستشفى الغرباء. أما عيادة الدكتور المحملجي فقد أصبحت مصبغة الشرق للتنظيف على البخار. ومكان مقهى الأصدقاء قامت عمارة البهلوان. أما شارع الراشدي فقد هدم القسم الأكبر منه ثم أعيد بناؤه من جدار الإمارة عند المطالع، على طريق عجرة. أما دار الأمير فقد أصبحت في الناحية الثانية من المدينة، فمنذ أن لم تعد حران سوى المصافي وميناء التحميل والدخان، بنى الأميركيون مدينة جديدة إلى الشرق، على مسافة اثني عشر ميلا. وحملت هذه المدينة اسم المكان الذي شيدت عأما الأحياء التي كانت على التلال الغربية، وقد أطلق عليها في البداية "حران العرب،" فقد تحولت شيئا فشيئا إلى أسواق تجارية، بعد أن هدمت وأعيد بناؤها أكثر من مرة. وتفرق أهل حران والناس الذين سكنوا هذه الأحياء في أنحاء متعددة، وراء التلال وقريبا من المحاجر. وموما يقال عن هذه الأماكن يقال أيضا عن كل الأماكن. حتى الجامع الذي يفخر الحكيم أنه تبرع بمبلغ كبير من أجل تشييده، والذي ما زال في مكانه، دب إليه الهرم، وأصبح قبيحا أميل إلى السواد. وأحاطت به مجموعة من الأبنية العالية، وغطته طبقات من الدخان والغبار. ولما سألحتى المقبرة لم تبق مكانها، فبعد أن أعطى الأمير الجديد، عبد الله الشبلي، أهل حران ومن لهم من موتى في هذا المكان، فرصة خمسة عشر يوما ليرفعوا عظام مواتهم من هذه القبور، جاءت آلات ودرست ما بقي ومن تبقى، ورغم أن ابن نفاع صرخ وشتم وبصق في وجوه سواق الآلات، لم يقال محمد عبد لنفسه وهو يتجول في الأسواق: "رائحتها لا تطاق. تشبه رائحة الموتى." وبدأ يتذكر من جديد: "لا تشبه أية مدينة أخرى، ولا تشبه نفسها، والناس فيها اجتمعوا بالصدفة، ولن يستمروا طويلا، تماما مثل ركاب سيارات عبود السالك." وحران بمقدرا ضجة نهارها، فإنها في الليل، في ظل اللهب الذي تبثه المصفاة، مدينة الأشباح والصمت، إذ ما عدا صافرات البواخر وهدير المحركات، التي تصل ميناء التحميل، والذي لا يبعد أكثر من ميلين، يظن الإنسان أنها جزء من الصحراء التي تليها. حتى الأنوار المنبعثة منوإذا كان محمد عيد قد احتمل أصياف حران سنينا عديدة، فإنه الآن، وهو يصلها، يشعر بالاختناق، ليس من الحرارة وحدها، وإنما من الجو الثقيل المنتن، الذي هو مزيج من كل الأشياء معا: البترول والبهارات والكبريت والصحراء والغبار وبقايا الأكل والأسماك الميتة وإطارات ال----------- مقطع من رواية الأخدود (إحدى رواياث خماسية مدن الملح).


الكاتب: عبدالرحمن منيف
0المفضلة
28074 المشاهدات
0 تعليقات