من كتاب وحي الرسالة
Jan 13, 2021 10:32 AM Jan 13, 2021 10:32 AM
صادفت خلاء فشغلته ، وخللاً فسدته ، وعبثاً فحاولت أن تصد عنه بإيقاظ النخوة في الرؤوس ، والكرامة في النفوس ، والرجولة في النشء . ثم حركت في الملكات الموهوبة ساكن الشوق لإلى الإنتاج فأبدعت ، وأهابت بالقوى الأدبية المتفرقة فتجمعت . ثم سفرت بين الأدباء في كل قطر من أقطار العروبة ، فعرفت بعضاً من بعض ، وأطلعت كلاً على عمل كل . ثم قادت كتائب الفكر والبيان في ميادين الإصلاح الأدبي والاجتولو كانت الرسالة اليوم بسبيل أن تكشف عن قلبها ، وأن تحدث عن نعمة ربها ، لذكرت فيما تذكر بلاءها العظيم في إنهاض الأدب ، وتوحيد العرب ، وتخريج طبقة من الأدباء ، وتثقيف أمة القراء ، بل مجاهدتها السلطان الباغي ، والفقر المهلك .. *** هبي يا رياح الخريف .. هبي .. هبي واقلعي ذلك النبات الدنيء الذي يتطفل على أشجار الوادي فيتغذى على أصولها ، ويتسلق على فروعها ، حتى إذا أدرك الهواء والضياء والرفعة ، التف بعساليجه وكلاليبه على أعاليها التفاف الأفعوان ، فيكظم أنفاسها فلا تنسم ، ويشل حركتها فهبي يارياح الخريف هبي .. هبي واقشعي هذا السحاب المتراكم الذي ارتفع ارتفاع الدخان وانتفش انتفاش العهن ، فحجب الشمس ، وحصر الأفق ، وأحر الأرض ، ثم لا نجد من ورائه مطراً يدفع الجدب ، ولا ظلاً يمنع الحرور .. ------------- المصدر : من مقال يارياح الخريف هبي / وحي الرسالة *** عندنا في دارنا الريفية عصبة من كلاب الحراسة مختلفة الأسنان والألوان والجنس تعيش في حال مدنية عجيبة : في الليل تتعاون على النباح وتتساعد في الهجوم ، فإذا لمح أحدها سواد إنسان أو ريح ذئب استنجبها جميعاً واستعداها جميعاً ، لا تسأله ماذا نبح ولماذا عدا . وفي النهار تربض متقلبلة في ظِلال شجرة ، أو ترقد - متجاورة على قش الرز ، تتهارش حيناً ، وتتفلى حيناً والصغير يعمد إلى الكبير فيعضه وهوهادئ مستسلم ، والضعيف يجروء على القوي فيركبه وهو وادع مستكين . ثم هذبناها فتهذبت ، ودربناها على النظام فتدربيت وألقى في روعها أن تأخذ بطرف مدنية الكلاب الأوربية فأحسنت لثم الفم وأتقنت ملق العين وأجادت بصبصة الذيل ثم أسرفت في الرقة وأغرقت في الظرف حتى ليكاد كل كلب منها أن يقول : ضعوا على رأسي قبعة .. تلك حال كلابنا ما دامت خارجة من سلطان البطن عاليه وسافله ، فإذا قدم إليه الكلاب وجبة الغداء ، أو عثر أحدها على عظمة في حواشي الفناء انقلب التزاحم قسوة ، والتعاطف جفوة ، والتهارش حرباً ، والتفلية عضاً ، والمدنية وحشية ، والإيثار أنانية . فالأم تنكر ولدها ،والكلاب الضعاف والجراء الصغار يقفن منكمشات على بعد ، يسألن بالحق ويتوسلن بالقرابة فلا يرين إلا النظر الشرز ولا يسمعن إلا الزئير المهدد ، حتى إذا غاب الطعام في الأجواف ، ولعقت الألسن آثاره على الخراكطيم ، أشبلت الأم على ولدها وأقبل الذكر على أنثاه وعطف ال----------- المصدر : من مقال القرية والفلاح /وحي الرسالة ، الجزء الثاني


الكاتب: أحمد حسن الزيات
0المفضلة
35297 المشاهدات
0 تعليقات