• من كتاب الشعر والشعراء

    اجتمع عند عبد الملك أشراف من الناس والشعراء، فسألهم عن أرق بيت قالته العرب، فاجتمعوا على بيت امرىء القيس: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل وقال: والله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل وقال: من آل ليلى وأين ليلى ... وخير ما رمت ما ينال هو امرؤ القيس بن حجر بن الحرث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور، وهو كندة. وأمه فاطمة بنت ربيعة ابن الحرث بن زهير، أخت كليب ومهلهل ابني ربيعة التغلبيين. وكليب هو الذي تقول فيه العرب: أعز من كليب وائل وبمقتله هاجت حرب بكر وتغلب. وكان قباذ ملك فارس ملك الحرث بن عمرو جد امرىء القيس على العرب، ويقول أهل اليمن: أن تبعا الأخير ملكه، وكان الحرث ابن أخته، فلما هلك قباذ وملك أنوشروان ملك على الحيرة المنذر بن ماء السماء، وكانت عنده هند بنت الحرث بن عمرو بن حجر، فولدت له عمرو بن المنذر وقاثم ملكت بنو أسد حجرا عليها، فساءت سيرته، فجمعت له بنو أسد، واستعان حجر ببني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال امرؤ القيس: تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر فبعثت بنو أسد إلى بني حنظلة تستكفها وتسألها أن تخلى بينها وبين كندة، فاعتزلت بنو حنظلة، والتقت كندة وأسد، فانهزمت كندة وقتل حجر، وغنمت بنو أسد أموالهم. وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص الأسدي: هلا سألت جموع كن ... دة يوم ولوا هاربينا وكان قاتل حجر علباء بن الحرث الأسدي، وأفلت امرؤ القيس يومئذ، وحلف لا يغسل رأسه ولا يشرب خمرا حتى يدرك ثأره ببني أسد، فأتى ذا جدن الحميري فاستمده فأمده، وبلغ الخبر بني أسد فانتقلوا عن منازلهم، فنزلوا على قوم من بني كنانة بن خزيمة، والكنانيون لا يعلمون بمسيألا يا لهف نفسي إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب ثم تبع بني أسد فأدركهم وقتل فيهم قتلا ذريعا، وقال: قولا لدودان عبيد العصا ... ما غركم بالأسد الباسل قد قرت العينان من وائل ... ومن بني عمرو ومن كاهل نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل حلت لي الخمر وكنت امرءا ... عن شربها في شغل شاغل فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل ثم إن المنذر بن ماء السماء غزا كندة فأصاب منهم، وأسر اثنى عشر فتى من ملوكهم، فأمر بهم فقتلوا بمكان بين الحيرة والكوفة، يقال له جفر الأملاك، وكان امرؤ القيس يومئذ معهم، فهرب حتى لجأ إلى سعد بن الضباب الإيادي، سيد إياد، فأجاره. وكان ابن الكلبي يذكر أن أم سعد كانت عند حجر أبي امرىء القيس، فتزوجها الضباب فولدت سعدا على فراشه، واستشهد على ذلك قول امرىء القيس: يفكهنا سعد وينعم بالنا ... ويغدو علينا بالجفان وبالجزر ونعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر وهذا الشعر يدل على أن العرب كانت في الجاهلية ترى الولد للفراش. ثم تحول إلى جبلى طيء، فنزل على قوم، منهم عامر بن جوين الطائي، فقالت له ابنته: إن الرجل مأكول فكله، فأتى عامر أجأ وصاح: ألا إن عامر بن جوين غدر، فلم يجبه الصدى، ثم صاح: ألا إن عامر بن جوين وفى، فأجابه الصدى، فقال: ما أحسن هذه وما أقبح تلك! ثم خرج امرؤ القيويقال إن صاحب هذا القول أبو حنبل بن مر مجير الجراد. ويقال إن ابنته لما أشارت عليه بأخذ ماله دعا بجذعة من غنمه، فحلبها في قدح ثم شرب فروى، ثم استلقى وقال: والله لا أغدر ما أجزأتني جدعة، ثم قام فمشى، وكان أعور سناطا، قصيرا حمش الساقين، فقالت ابنته: ما رأيت كاليوم ساقي واف؟ فقال لابنته: يا بنية، هما ساقا غادرلقد آليت أغدر في جداع ... ولو منيت أمات الرباع لأن الغدر في الأقوام عار ... وإن الحر يجزأ بالكراع ولم يزل ينتقل من قوم إلى قوم بجبلى طيىء، ثم سمت به نفسه إلى ملك الروم، فأتى السموأل بن عادياء اليهودي، ملك تيماء، وهي مدينة بين الشأم والحجاز، فاستودعه مائة درع وسلاحا كثيرا، ثم سار ومعه عمرو بن قميئة، أحد بني قيس بن ثعلبة، وكان من خدم أبيه، فبكى ابن قميئبكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وإني أذين إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا على ظهر عادي تحاربه القطا ... إذا سافه العود الديافي جرجرا وبلغ الحرث بن أبي شمر الغساني، وهو الحرث الأكبر، ما خلف امرؤ القيس عند السمؤال، فبعث إليه رجلا من أهل بيته، يقال له الحرث بن مالك، وأمره أن يأخذ منه سلاح امرىء القيس وودائعه، فلما انتهى إلى حصن السموأل أغلقه دونه، وكان للسموأل ابن خارج الحصن يتصيد، فأخذه وصار امرؤ القيس إلى ملك الروم، فأكرمه ونادمه، واستمده فوعده ذلك، وفي هذه القصة يقول: ونادمت قيصر في ملكه ... فأوجهني وركبت البريدا إذا ما ازدحمنا على سكة ... سبقت الفرانق سبقا بعيدا ثم بعث معه جيشا فيهم أبناء ملوك الروم، فلما فصل قيل لقيصر: إنك أمددت بأبناء ملوك أرضك رجلا من العرب، وهم أهل غدر، فإذا استمكن مما أراد وقهر بهم عدوه غزاك. فبعث إليه قيصر مع رجل من العرب كان معه يقال له الطماح بحلة منسوجة بالذهب مسمومة، وكتب إليه: إني قد بوبدلت قرحا داميا بعد صحة ... فيالك نعمى قد تحول أبؤسا وقال الفرزدق: وهب القصائد لي النوابغ إذ مضواوأبو يزيد وذو القروح وجرول قال أبو محمد: أبو يزيد هو المخبل السعدي، وذو القروح امرؤ القيس، وجرول الحطيئة. ولما صار إلى مدينة بالروم تدعى أنقرة ثقل، فأقام بها حتى مات، وقبر هناك، وقال قبل موته: رب خطبة مسحنفره ... وطعنة مثعنجره وجعبة متحيره ... تدفن غدا بأنقره ورأى قبرا لامرأة من بنات ملوك الروم هلكت بأنقرة، فسأل عن صاحبه فخبر بخبرها، فقال: أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب وعسيب: جبل هناك. ولما بلغ السموأل موت امرىء القيس دفع ما خلف عنده من السلاح وغيره إلى عصبته. وكان امرو القيس مئناثا لا ذكر له، وغيورا شديد الغيرة، فإذا ولدت له بنت وأدها، فلما رأى ذلك نساوه، غيبن أولادهن في أحياء العرب، وبلغه ذلك فتتبعهن حتى قتلهن. وكان امرؤ القيس جميلا وسيما، ومع جماله وحسنه مفركا، لا تريده النساء إذا جربنه. وقال لامرأة تزوجها: ما يكره النساء مني؟ قالت: يكرهن منك أنك ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع الإراقة، بطىء الإفاقة، وسأل أخرى عن مثل ذلك فقالت: يكرهن منك أنك إذا عرقت فحت بريح كلب!أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ويقال لها: لا وأبيك ابنة العامر ... ي لا يدعي القوم أني أفر ومنهن أم الحرث الكلبية، وهي التي يقول فيها: كدأ بك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل ومنهن عنيزة، وهي صاحبة يوم دارة جلجل. قال محمد بن سلام: حدثني راوية للفرزدق أنه لم ير رجلا كان أروى لأحاديث امرىء القيس وأشعاره من الفرزدق، هو وأبو شفقل، لأن امرأ القيس كان صحب عمه شرحبيل قبل الكلاب، حتى قتل شرحبيل بن الحرث، وكان قاتله أخاه معدى كرب بن الحرث، وكان شرحبيل بن الحرث مسترضعا في بويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فياعجبا من رحلها المتحمل يظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلى تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل فقلت لها سيري وأرخى زمامه ... ولا تبعدينا من جناك المعلل وكان امرؤ القيس في زمان أنوشروان ملك العجم، لأني وجدت الباعث في طلب سلاحه الحرث بن أبي شمر الغساني، وهو الحرث الأكبر، والحرث هو قاتل المنذر بن امرىء القيس الذي نصبه أنو شروان بالحيرة. ووجدت بين أول ولاية أنو شروان وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم أربعينومما يشهد لهذا أن عمرو بن المسبح الطائي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في وفود العرب، وهو ابن مائة وخمسين سنة، وأسلم، وعمرو يومئذ أرمى العرب، وهو الذي ذكره امرؤ القيس فقال: رب رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره وله يقول الآخر: نعب الغراب وليته لم ينعب ... بالبين من سلمى وأم الحوشب ليت الغراب رمى حماطة قلبه ... عمرو بأسهمه التي لم تلغب

    الكاتب: عبدالله بن مسلم بن قتيبة

    0المفضلة

    12791 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من عبدالله بن مسلم بن قتيبة

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من كتاب الشعر والشعراء