• من كتاب أخلاق الوزيرين

    فإن قلت: هؤلاء شعراء، والشعراء سفهاء، ليسوا علماء ولا حكماء، وإنما يقولون ما يقولون، والجشع باد منهم، والطمع غالب عليهم، وعلى قدر الرغبة والرهبة يكون صوابهم وخطأهم؛ ومن أمكن أن يزحزح عن الحق بأدنى طمع، ويحمل على الباطل بأيسر رغبة، فليس ممن يكون لقوله إتاءلا تصحبن شاعرا فإنه ... يهجوك مجانا ويطري بثمن وهذا لأنه مع الريح، إن مالت به مال، يتطوح مع أقل عارض، ويجيب أول ناعق، ويشيم أي برق لاح، ولا يبالي في أي واد طاح؛ فقد جمع دينه ومروئته في قرن تهاونا بهما، وعجزا عن تدبيرهما؛ فهو لا يكترث كيف أجاب سائلا، وكيف أبطل مجيبا، وكيف ذم كاذبا ومتحاملا، وكيف مدح موإن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل والشعر كلام وإن كان من قبيل النظم، كما أن الخطبة كلام وإن كان من قبيل النثر، والانتثار والانتظام صورتان للكلام في السمع، كما أن الحق والباطل صورتان للمعنى، وكذلك المثل في السمع، وليس الصواب مقصورا على النثر دون النظم، ولا الحق مقبولا بالنظم دون النثر؛ وماوإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال، إذا أنشدته، صدقا وهذا باب لا يفيد الإغراق فيه إلا ما يفيد التوسط والقصد، فلا وجه مع هذا للإطالة، ولما يكون سببا للملامة. وهذه الجملة - أكرمك الله - أنت أحوجتني إليها، وجشمتني صعبها حتى نشبت بها قائما وقاعدا، وتقلبت في حافاتها مختارا ومضطرا، وتصرفت في فنونها محسنا ومسيئا، لما تابعت إلي من كتاب بعد كتاب، تطالبني في جميعه بنسخ أشياء من حديث ابن عباد وابن العميد وغيرهما ممن أدروقلت: ينبغي أن تضيف إلى ذلك ما يتعلق به، ويدخل في طرازه ولا يخرج عن الإفادة بذكره، والاستفادة من نشره؛ فإن ذلك يأتي على كل ما تتوق إليه النفس من كرم ولؤم، وزيادة ونقص، وورع وانسلاخ، ورزانة وسخف، وكيس وبله، وشجاعة وجبن، ووفاء وغدر، وسياسة وإهمال، واستعفاف وقلت: ولا يحلو موقع ذلك كله ولا يعذب ورده، ولا يغزر عده، ولا ينقاد السمع له، ولا يراح القلب به إلا بعد أن تدع المحاشاة وأنت مقتدر، وتفارق المخاشاة وأنت منتصر، وإلا بعد أن تترك العدو والحاسد ينقدان بغيظهما انقدادا، ويرتدان على أعقابهما ارتدادا؛ فإن التقية وقلت والعامة تقول: من جعل نفسه شاة دق عنقه الذئب، ومن صير نفسه نخالة أكله الدجاج، ومن نام على قارعة الطريق دقته الحوافر دقا، والكبر في استيفاء الحق من غير ظلم، كالتواضع في أداء الحق من غير ذل، وكما أن المنع في موضع الإعطاء حرمان، كذلك الإعطاء في موضع المنوقلت: ومن وجع قلبه وجعك، وألم علته ألمك؛ وحرم حرمانك، وخيب خيبتك، وجرع ما جرعته، وقصد بما قصدت به، وعومل بما شاع لك، قال وأطال، وكرر وسير، وأعاد وأبدى، وعرض وصرح، ومرض وصحح، وقام وقعد، وقرب وبعد؛ وإن عينا ترقد على الضيم للعمى أحسن بها، وإن نفسا تقر على الوقلت: أما سمعت قول العاتب على ابن العميد في رسالته حين قال الحق له؟ قال: وليعلم المرء - وإن عز سلطانه، وعلا مكانه، وكثرت حاشيته وغاشيته، وملك الأعنة، وقاد الأزمة - أنه ينعم له في الحمد على الحسن، والذم على القبيح، وأن المخوف يرتاب من ورائه كما يقرع المأمووهذا باب يعرفه من الناس من ساس الناس؛ وهذا الكاتب يعرف بالأشل. وقلت أيضا: ولست أسألك أن لا تذكر من حديثهما إلا ما كان جالبا لمقتهما، وداعيا إلى الزراية عليهما، وباعثا على سوء القول والاعتقاد فيهما، بل تضيف إلى ذلك ما قد شاع لهما وشهر عنهما، من فضائل لم يثلثهما فيها أحد في زمانهما، ولا كثير ممن تقدمهما؛ فإن الفائدة الوقلت: وليكن ذلك كله - إذا نشطت له - مقصورا غير مبسوط، أو بين المقصور والمبسوط، فإنه إن زاد على هذا التحديد طال، وإذا طال مل، وإذا مل نظر إلى صحيحه بعين السقيم، وحكم على حقه بلسان الباطل، وتخيل القصد فيه إسرافا، والعدل فيه جورا، وعند ذلك يحول عن بهجته ومائه، ورووجميع ما قلته - حاطك الله - وأتيت به، وسحبت ذيلك عليه، ورفلت أعطافك فيه، قد سمعته وفهمته، وطويته في نفسي وبسطته، وجمعته بذهني وفرقته، ونظمته عندي ونثرته؛ ولست جاهلا به ولا ذاهلا عنه، ولكن من لي بعتاد ذلك كله، وبالتأتي له، وبالقدرة عليه، وبالسلامة فيه إن فعلى أنهم، بعد شدة جدالهم وطول مرائهم، رجلان: متعصب لمن تذمه وتعيبه وتنث القبيح عنه، فهو يغتفر له جميع ما يسمع منك، صادقا كنت أو كاذبا، معرضا كنت أو مفصحا. أو متعصب على من تمدحه وتزكيه وتفضله وتثني عليه، فهو يرد عليك كل ما تدعيه، محققا كنت أو مجزفا، موضحا كنت أو مزخرفا؛ ولذلك قال بعض علماء السلف الصالح: هما أمران مثواك بينهما، راض عنك فهو يمنحك أكثر مما هو لك، وساخط عليك يتنقصك من حقك؛ فرم ما ثلم الباغي بفضلوعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا على أن هذا الشاعر قد أثبت العيب وإن كان قد وصفه بكلول العين عنه، ودل على المساوي وإن كان السخط مبديها، وهذا لأن الهوى مقيم لابث والرأي مجتاز عارض، ولا بد للهوى من أن يعمل عمله، ويبلغ مبلغه، وله قرار لا يطمئن دونه، وحد هو أبدا يتعداه ويتجاوزه، وله غول تضل،وقال بعض الحكماء: فضل ما بين الرأي والهوى أن الهوى يخص والرأي يعم، والهوى في حيز العاجل، والرأي في حيز الآجل، والرأي يبقى على الدهر، والهوى سريع البيود كالزهر، والرأي من وراء حجاب، والهوى مفتح الأبواب ممدد الأطناب؛ ولذلك قال أيضا بعض العرب، ويقال هو عامر وقال الشاعر: كم من أسير في يدي شهواته ... طفر الهوى منه بحزم ضائع وقال أعرابي: لم أر كالعقل صديقا معقوقا، ولا كالهوى عدوا معشوقا؛ ومن وفقه الله للخير جعل هواه مقموعا، ورأيه مرفوعا. وإذا كان الهوى - أبقاك الله - على ما وصفنا، وعلى وراء ما وصفنا مما لا نحيط به وإن أطلنا، فمتى يخلو المادح - إذا مدح - من بعض الإفراط تقربا إلى مأموله، وخلابة لعقله، واستدرارا لكرمه، وبعثا على تنويله وتخويله؛ وهذه حال مصحوبة في الممدوح إذا كان أيضا غائبا أولقد رأيت الجرجائي - وكان في عداد الوزراء وجلة الرؤساء، وإنما قتله ابن بقية لأنه نعم له بالوزارة - يقول للحاتمي أبي علي، وهو من أدهياء الناس: إنما تحرم لأنك تشتم فقال الحاتمي: وإنما أشتم لأني أحرم. فأعاد الجرجائي قوله. فأعاد الحاتمي جوابه. فقال ثم ماذا؟ قال الحاتمي: دع الدست قائمة، وإن شئت عملناها على الواضحة. قال: قل! قال الحاتمي: يقطع هذا أن لا يسمعوا مدائحهم، ولا يكترثوا بمراتبهم؛ وأن يعترفوا لنا بمزية الأدب وفضل العلم وشرف الحكمة، كما خذينا لهم بعظمة الولاية، وفضل العمل، وبسط اليد، وعرض الجاه، والاستبداد بالتنعم والطاق والرواق، والأمر والنهي، والحجاب والبوافرأيت الجرجائي - حين سمع هذا الكلام النقي، وهذه الحجة البالغة - وجم ساعة ثم قال: لعمري إذا جئنا إلى الحق، ونظرنا فيه بعين لا قذى بها، ونفس لا لؤم فيها، فإن العطاء أولى من المنع، والتنويل أولى من الحرمان، والخطأ في الجود أسلم من الصواب في البخل، لأن الصوابوأنا أقول: قد صدق هذا الرجل الجليل في هذا الحرف صدقا لا تماري فيه. ولقد جرى بيني وبين أبي علي مسكويه شيء هذا موضعه. قال مرة: أما ترى إلى خطأ صاحبنا - وهو يعني ابن العميد - في إعطائه فلانا ألف دينار ضربة واحدة؟ لقد أضاع هذا المال الخطير فيمن لا يستحق. فقلت له - بعد ما أطال الحديث وتقطع بالأسف: أيها الشيخ! أسألك عن شيء واحد واصدق، فإنه لا مدب للكذب بيني وبينك، ولا هبوب لريح التمويه علينا؛ لو غلط صاحبك فيك بهذا العطاء وبأضعافه وأضعاف أضعافه، أ كنت تتخيله في نفسك مخطئا ومبذرا ومفسدا وجاهلا بحق المال؟ أو كهذا ذكرته - أبقاك الله - لتتبين أن الخطأ في العطاء مقبول، والنفس تغضي عليه، والصواب في المنع مردود، والنفس تقلق منه؛ ولذلك قال المأمون وهو سيد كريم، وملك عظيم، وسائس معروف: " لأن أخطئ باذلا أحب إلي من أن أصيب مانعا "

    الكاتب: أبو حيان التوحيدي

    0المفضلة

    25197 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من أبو حيان التوحيدي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من كتاب أخلاق الوزيرين