• من كتاب أدب الكتاب

    فضل الكتابة قال الله تعالى - وهو أول ما أنزل من القرآن: " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم " . فجعل تبارك اسمه أول ما أنزل من القرآن ذكر التفضيل على عباده بخلقه لهم، وما ندبهم له بذلك، من البقاء الدوقال عز وجل: " ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون " فأقسم في القرآن بما خلق من ذلك أعني القرآن وما يكتب به من حبر ومداد وما يكتب فيه من سفر وقرطاس وأشباههما. على أن نون ههنا، عند بعضهم، السمكة التي تحمل الأرضين. وقال بعضهم: يريد الحرف. وكذلك عندوسأل رجل أحمد بن يحيى ثعلب، وأنا حاضر، عن قسم الله عز وجل بالأشياء التي خلقها مثل قوله تعالى: " والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " فوقع القسم على الآية الأخيرة. فقال أحمد بن يحيى: رأيت الرؤساء من العلماء يقولوقال جل وعلا: " وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون " وقال: " بأيدي سفرة كرام بررة " . فالسفرة الكتبة، الواحد سافر والجمع سفرة، مثل كافر وكفرة. ومعنى سافر كاتب يكتب في الأسفار، واحدها سفر، وهي الصحف وسفر إذا كتب من سفر فهو سافر. وكان المأمونونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا فعفا عنه. وبالكتابة جمع القرآن، وحفظت الألسن والآثار، ووكدت العهود، وأثبتت الحقوق، وسيقت التواريخ، وبقيت الصكوك، وأمن الإنسان النسيان، وقيدت الشهادات، وأنزل الله في ذلك آية الدين وهي أطول آية في القرآن. وقد سمعت بعض من حرم فضيلة الكتابة يقول: لو كانت الكتابة فضيلة، لكانت في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو لا يدري أن في ذلك فضلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقصا لغيره، لأن الكفار إدعوا عليه أنه يحسن الكتابة، وأنه يتعلم ما يأتي به في القرآن من أهل الكوليس هذا الكتاب والفوائد فيه معمولا لتابع دون متبوع، ولا خامل دون نبيه، ولا محروم دون محظوظ. ولا ينبغي لمن رفعته حال، وساعده جد، وهو يؤنس من نفسه تقصيرا في الأدب، وتخلقا عن صناعة الكتابة، أن يغتر بحظه، وإقبال الأيام عليه في وقت، فإنها دول منقلبة وأحوال متفإن هذا الفعل إنما يحسن بالرؤساء إذا أشرفوا على العلم، واستفلوا بالصناعة، وعرفوا ما يحتاجون إليه من أمر الكتبة وحفظوه. فعند ذلك تشرف عندهم أنفسهم، ويحسن بمن عندهم استقامتهم، حتى تحملوا عنه ما هو أعلم به منهم، ولا يكونوا أسراء في أيديهم، ولا مضطرين إلى ما قال أبو بكر: وإنما ذكرت هذا الفصل، لأرغب أهل هذه الصناعة الشريفة، في الإقبال عليها، وإنفاق بعض العمر في طلبها، فإنها من أجل ما كد فيه الفكر، وقطعت به الأيام. وقد استعمل اللفظة التي حكيتها - أعني إنفاق بعض العمر - شاعر من الأزد فقال: هزئت عميرة إذ رأت ظهري انحنى ... وذؤابي علت بماء خضاب لا تهزئي مني عمير فإنني ... أنفقت فيكم شرتي وشبابي وفيه غناء في طريق الثقيل الثاني. وليس يجب لمن صفر من هذه العلوم أن يدع التعلم آيسا من الاستفادة، موليا عن الاستزادة. فربما كان الإنسان مهيأ الذهن لحمل العلم، قريب الخاطر، متقد الذكاء، فيضيع نفسه فإهمالها ويميت خواطره بترك استعمالها، فيكون كما قال علي بن اوالنار في أحجارها مخبوءة ... ليست ترى إن لم يثرها إلا زند وإنما أخذه من قول الأول: أنا النار في أحجارها مستكنة ... متى ما يهيجها قادح تتوقد ومثل قوله: أنفقت فيكم شرتي وشبابي ما أنشدناه ابن ذكوان القاسم بن إسماعيل قال: أنشدنا أبو مجلي السعدي لحضرمي بن عامر يعاتب عوف بن عبد الله في أبيات: تجود أسباب المودة بيننا ... حديثا وأسباب المودة تخلق لعلك يوما أن يسؤك أنني ... قريب ودوني من حصى الأرض مخفق وتنظر في أسرار كفيك هل ترى ... لها خلفا مما يفيد وينفق

    الكاتب: إبراهيم بن العباس الصولي

    0المفضلة

    6680 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من إبراهيم بن العباس الصولي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من كتاب أدب الكتاب