• باب الحمامة المطوقة ( كليلة ودمنة )

    قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت مثل المتحابين كيف قطع بينهما الكذب وإلى ماذا صار عاقبة أمره من بعد ذلك. فحدثني، إن رأيت؛ عن إخوان الصفاء كيف يبتدأ تواصلهم ويستمع بعضهم ببعض؟ قال الفيلسوف: إن العاقل لا يعدل بالإخوان شيئا فالإخوان هم الأعوان على افلما رأى الغراب صنع الجرذ، رغب في مصادقته، فجاء وناداه باسمه، فأخرج الجرذ رأسه، فقال له: ما حاجتك؟ قال: إني أريد مصادقتك. قال الجرذ: ليس بيني وبينك تواصل، وإنما العاقل ينبغي له أن يلتمس ما يجد إليه سبيلا، ويترك التماس ما ليس إليه سبيل، فإنما أنت الآكل، وأقال الغراب: قد فهمت ما تقول، وأنت خليق أن تأخذ بفضل خليقتك، وتعرف صدق مقالتي ولا تصعب علي الأمر بقولك: ليس إلى التواصل بيننا سبيل: فإن العقلاء الكرام لا يبتغون على معروف جزاء، والمودة بين الصالحين سريع اتصالها بطيء انقطاعها. ومثل ذلك مثل الكوز من الذهب: بقال الغراب: إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا، ولعدو صديقه عدوا؛ وليس لي بصاحب ولا صديق من لا يكون لك محبا؛ وإنه يهون عن قطيعة من كان كذلك من جوهري. ثم إن الجرذ خرج إلى الغراب فتصافحا وتصافيا، وأنس كل واحد منهما بصاحبه؛ حتى إذا مضت لهما أيام قاقال الضيف: نزلت مرة على رجل بمكان كذا، فتعشينا، ثم فرش لي. وانقلب الرجل على فراشه، فسمعته يقول في آخر الليل لامرأته: إني أريد أن أدعو غدا رهطا ليأكلوا عندنا، فاصنعي لهم طعاما. فقالت المرأة: كيف تدعو الناس إلى طعامك، وليس في بيتك فضل عن عيالك؟ وأنت رجل لا ووجدت الفقر رأس كل بلاء، وجالبا إلى صاحبه كل مقت، ومعدن النميمة. ووجدت الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمنا، وأساء به الظن من كان يظن فيه حسنا: فإن أذنب غيره كان هو للتهمة موضعا. وليس من خلة هي للغني مدح إلا وهي للفقير ذم، فإن كان شجاعا قيل: أهوج، وإن كولو أن رجلا وهبت له الدنيا بما فيهان لم يك ينتفع من ذلك إلا بالقليل الذي يدفع به عن نفسه الحاجة: فأقبلت مع الغراب إليك على هذا الرأي، وأنا لك أخ، فلتكن منزلتي عندك كذلك. فلما فرغ الجرذ من كلامه أجابته السلحفاة بكلام رقيق عذب، وقالت: قد سمعت كلامك، وما أحسثم إن الغراب حلق في السماء لينظر هل للظبي طالب؟ فنظر فلم ير شيئا؛ فنادى الجرذ والسلحفاة، وخرجا، فقالت السلحفاة للظبي، حين رأته ينظر إلى الماء: اشرب إن كان بك عطش، ولا تخف: فإنه لا خوف عليك. فدنا الظبي فرحبت به السلحفاة وحيته وقالت له: من أين أقبلت؟ قال: كفقال الظبي والغراب للجرذ: إن حذرنا وحذرك وكلامك، وإن كان بليغا، كل منها لا يغني عن السلحفاة شيئا، وإنه كما يقال: إنما يختر الناس عند البلاء، وذو الأمانة عند الأخذ والعطاء، والأهل والولد عند الفاقة، كذلك يختبر الإخوان عند النوائب. قال الجرذ: أرى من الحيلة

    الكاتب: عبدالله ابن المقفع

    0المفضلة

    79563 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من عبدالله ابن المقفع

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • باب الحمامة المطوقة ( كليلة ودمنة )