القراءة في مفهومي الخاص
Apr 11, 2021 07:05 PM Apr 11, 2021 07:05 PM
لم أقرأ الشعر العربي إلا لِمامًا، بعض من قصائد محمود درويش، وإبراهيم ناجي وغادة السمّان، أما الشعر القديم أحس دائما بثقله على نفسي ولم أكن أدري ما لسبب، مرّه أصر علي أحد الأصدقاء بقراءة قصيدة من التراث وفي نقاش عفوي قلت أكره الشعر العربي، أحس أثناء قراءتي له كأنني أمشي حافية على رمضاء والشمس تلهب رأسي وثيابي أصبحت بلون التراب وشفاهي متشققة من العطش أحس أنني في رحلة شاقة بعيدة المآل. مع أنني أحب تعريف ويليام بليك للشعر، الذي أعرفه كطالبة آداب، والذي يقول فيه حسب ترجمتي طبعا "الشعر هو تدفق اللغة" عندما أقرأ قصيدة انجليزية أشعر بهذا التدفق والانسياب.. لا تظن أنني أقول هذا الكلام، أو أكتبه بمعنى أدق، لأنني من أنصار الحداثة لا والله أنا مجرد فتاة مدنية تقرأ الكتب كنوع من رفاهيات هذا العصر؛ مؤخرا فقط تعلمت أن في القراءة احترام للحياة واحترام لنفسي قبل كل شيء ومبالاة لأشياء كثيرة تفوتنا لجهلنا بها، فهمت أن القراءة تطيل عمر اللحظة العابرة. أقول لك فقط أنني أقل من هذا المقام الذي أحسب ظنك ذهب إليه. أمس مرّت علي عبارة تقول "بيت لا مكتبة فيه لا يعول عليه" فجأة استحضرت طفولة أبي وحكمته التي يهبها لنا مع قصصه، أبي البدوي الذي رعى الغنم ومشى حافيا ونام في خيمة في صحراء باردة جافة وعرف الجوع والعطش، وأكثر الأعمال مشقة. لم يقرأ أبي الكثير من الكتب ولكنه لم يترك شيء إلا وقاله لنا، وقد جربت حكمه ولم تخطأ أبدا... ماذا قرأ أبي؟ قرأ الحجر والصخر حينما كان يستريح تحت سدرة. قرأ نقوش المغيب والشروق على السماء في المساء حينما يعود مع غنمه أو في الصباح حينما يركض فرحا بيومه الجديد وإن كان مثل أمسه شاقا وقرأ وجهه حينما كان ينعكس على آنية اللبن وقرأ صوف الخرفان والماعز حينما يُدبغ أو حينما يحلبون عنزة. قرأ النجوم حينما يستلقي تحتها وقرأ ظله حينما يقصر أو يطول في وسط النهار أو في آخره.. قرأ آثار المطر على التراب وقرأ أثر أقدامه وميّز أثر أقدام أخوته كما يفعل البدو عادة وميّز أثر قدم جدتي وهي تغدو وتروح وعلى رأسها حزمة حطب أو قربة ماء. أقول الآن كيف يتصور الناس القراءة؟ أو نحن المدللون الذين عشنا داخل البيوت المسقوفة الدافئة والآمنة في أرائكنا المريحة نقلب كتاب بين أيدينا بأعين لا ترى البصيرة من فرط الدلال. ليست الكتب وحدها تُقرأ فالمنابر تُقرأ والسماء تُقرأ والطرق والجبال والشجر والحجر والأصوات والبيوت والمقابر، القراءة لا تقتصر على كلمات محشورة في صفحات بين دفتين غليظتين القلوب أيضا تُقرأ، هناك من يعيش موضوعات القراءة: الفقر، والشقاء، والحزن ويحقق غايات الأدب حينما يرويها إليك على فترات بما يليق بعمرك تكبر مع قصصه كما لو أنها رواية مجزّأة ثم تكتسب منه كما تكتسب من الأدب الرأفة والإيمان واليقين بتقلب أحوال الزمن. عندما أقرأ الشعر العربي القديم وفي تصويره لمشقة الحياة و وصفه للصحراء أصطدم بطفولة والدي القاسية والتي أشعر دائما أن الحياة أكلت نصيبه منها.


الكاتب: مشاعل السلمان
0المفضلة
34 المشاهدات
0 تعليقات