أكتب لنفسك
May 12, 2021 01:24 AM May 12, 2021 01:24 AM
اكتب لنفسك، كما لم يكن في العالمِ سواك. هذهِ العبارة التي رددها في صمتهِ، وجهره العاليين. لقد شوهد كثيراً وهو يترنح على سهلِ الشارعِ المجاورِ لمنزلهِ طيلةَ ثلاث سنين، كان الجميع يعرفهُ بالصامتِ الذي يُحكى عنه كل شيءٍ في الحي الذي تعكسُ عليه الشوارع المجاورة منظراً لطيفاً. ربما يبدو مُغرقاً لحدٍ كبير، عندما لا تكتب عن أمرٍ آخر عداك، لوهلةٍ تبدو هذه صورةً للعزلةِ التي تعتريك عندما تحدقُ في عينيهِ، يمر جميلاً، بلا لغةٍ إلا دقُ قلبهِ الذي يتسربُ من نواحي المكان؛ ليسكن قلبك. هذه اللغة التي عُرفَ بها، من الحبِ إلى الحبِ في كل صباحٍ يُشرق من وجههِ، وفي كل صباحٍ يسعى في مقلتيهِ شِعراً وأدبا. لن تعني النظرة الأولى شيئاً؛ فأنت تعلمُ أنّك لن تكتشفَ أغوار المحيطِ لمجرّد أن ترى الشاطئ، فمهما كانت الضفة جميلةً؛ فهي لن تعدو مساحةً صغيرة جداً في حجمِ البحر الهائل، وكالأطفالِ الذي يرفعون أيديهم عالياً، يلاحقون مناطيدهم الصغيرة بلهفةٍ كبيرة، ويتدافعونَ برفقٍ، ويعلون ضحكاتٍ وصرخاتٍ بريئة، كان يمّر بهدوء، وفي قلبهِ يغيب السكون، إذ يتلاطمُ الوجود بتفاصيلهِ في صدره آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار، وفي هذهِ الحركة الكونية التي تعتري جسدهُ، امتدَ، وحوى تفاصيلَ المكانِ الذي يتخذُ شكلاً متعرجاً عندما تستمرئ على المرورِ من طرقهِ. هذه الإجابة التي يحفرها على قافيةِ كل مارٍ مِنهُ، يستقي من زلالِ المارين ذاكرةً، أو وهماً يتبعه أينما ذهبَ ليعودَ مفتشاً عنهُ مرّة أخرى. يمشي الناسُ بسياراتهم في شارعِ سدير، كل واحدٍ يعرفُ الآخر، وكل واحدٍ يسكنُ في الآخر، لكنه كانَ مجهولاً رغم ذلك، لم يحسُ بهِ أحدٌ؛ لأنهُ قريب جداً من كل فردٍ فيهم قيــد أُنملةٍ، أو تدنو قليلاً. لقد اتسعَ صدرهُ شيئاً بسيطاً؛ ففي اليومِ الأولِ عاشَ ذكريات قاطني المربع الصغير في حيهم، وتذكر كل شيء: طفولته، سعيه عائداَ من مدرستهِ "حماد بن زيد" إلى منزلهِ في الظهيرة، وفي يدهِ يحملُ حقيبةً ينوء بِها أمثالهُ من الأطفالِ، وأصواتَ أصحابهِ في المدرسة، وأولئك الذين يشاركونه الأحاديثَ بعد مغربِ كل يومٍ يجتمعونَ فيه ليلقوا النكتَ الحيّة التي مازالت تسعى بين الأزقةِ والبيوت، وحنينهُ لنفسهِ في كل حيٍ قبلَ أن يزول. في دمهِ الذي بدأ بالانتشارِ أيضاً، ليتصلَ في الوجودِ، وليكونَ بوصلةً تقوده إليهِ في كل آخرٍ، في هذا اليوم الذي أشرقَ برفقٍ بالغ، سمع صوتَ كل من أحبهُ في قلبهِ، وميّز في الحشرجاتِ أحزانهم، حتى وعى صوتاً يجيءُ من البعيد، ويقتربُ، حتى يصير في موضعِ النبضِ منهُ قائلاً: يا عاهلَ آلام العالمين، ثم سعى الصمتُ في جسدهِ شيئاً فشيئاً؛ فعادَ إلى سابقِ عهدهِ كاتباً، يعود في المرّةِ دهراً إليهِ، ثم يخطُ أخرى، ليسكنَ شعورهُ الأجساد التي يُحسها، والتي لم تعد إلى سابقِ عهدها عندما سمعت صوتهُ عليَّاً في دواخلها. في اليومِ الثاني، ذهبَ إلى احتساءِ قهوتهِ، وقوتٌ في يديهِ من طبخِ أمه، يرى النورَ خارجاً من الخُبز، وفي رائحة الطعام أزكى ما تشمه في حياتك، لقد أحسَ أنّ هناك ما تبدلَ؛ فمع كل حركةٍ يقومُ بها، يزداد وعياً أنّ الأشياء تسيرُ إليهِ، فتوقفَ عنِ الحركة. لم يكن يحتاج ليفعل أي شيء، إلا أن يخرجَ دفترهُ ويدونَ ملاحظةً تُغني بشدوٍ خفيف، حتى بيوت أصحابهِ، صارت تكِرُّ عليه اللقاءات، وتحتسي معه الشايَ، وتتناول بعض المأكولاتِ الخفيفة والمكسرات. وفي اليومِ الثالث، استيقظَ على وقعٍ في قلبهِ لحكايةِ القرية التي جاءَ منها؛ فراحَ الناسُ يسيحونَ في دمهِ مع الهواء الذي يغذي الغاباتِ في أنحائه بالربيعَ الدائم، ويحكي بعضهم للآخرِ عما يراهُ من العجائبِ، ويرونَ غرائبَ شاهدوها، وأخرى أملاها عليهم حسهم البدائيّ في النظر، لكنه لم يهتمَ كثيراً؛ فكثيرٌ ما أحسَ بهِ، وأسكنهُ قلبه، لكنه لم يره أبداً إلا شيئاً لا ينفصلُ عن ذاتهِ التي عرفها، متوسعةً، ومتصلة. لقد كتبَ في يومهِ كأن لم يفعل قبلَ الآنِ، وكانت أنهارُ كلماتهِ تصبُ في وجنتي تاريخه الوردي. وفي اليوم الرابع، دعا إليهِ أنحاءهُ في كل هويةٍ أخرى؛ فسعى إليهِ العالمُ مضرجًا بالحسرةِ على فراقهِ. يبكي حرقةً على ما فاتَ من الأيامِ الحلوة، ويتذكرُ. غيرَ أنهُ لم يعِ أنها عودةُ تجلٍّ لوجوده في كل مكانٍ كانَ فيهِ أكثرَ زهواً وإشراقا، ثم أمسكَ الأقلامَ التي بدأت بالرقصِ على وقعِ حركةِ أصابعهِ تكتبُ، ويصاغُ في مداهُ شِعراً ينبتُ له في كل صدرِ قارئٍ وطناً مورفا. وفي اليومِ الخامس، اجتمعت أيامهُ، وتغيّرت التقاويم التي يعرفها عن نفسهِ؛ لأنهُ أرادَ أن يتخذَ جسراً يعبرُ مِنه إليهِ في كل برهةٍ أرادَ في حياتهِ؛ فوعى وجهه يتبدل، ويعودُ إلى طفولتهِ، ثم يزداد جمالاً في كل شكلٍ يراهُ. إنه في يومهِ الأول الذي ولدت فيهِ ذاتهُ العاهليّة، تسمعُ لصوتِ كل جريحٍ في مدى وجدها يعمُ الأرجاءَ والأنحاء. وفي اليومِ السادس، عادَ أصدقاؤه مما كانوا فيهِ، وتوسدوا في صدرهِ موضعاً حسناً، يحكي كل واحدٍ إلى الآخرِ روايةً لا يعرفها عن صاحبهم الذي ما عادَ إلى حزنهِ مرّة أخرى، ثم ينادون، وقد اجتمعوا: يا عاهل آلام العالمين، يا عاهل آلام العالمين... وفي اليومِ الأخيـــر، اجتمعَ بنفسهِ، وكانت أيامهُ يوماً واحداً، وكلماتهُ تستعدُ إلى أنْ تخطَ في وجهِ كل مدينةٍ تزورها أثراً لهُ تصافح فيهِ الشمسُ مبسمه، ثمّ مد يديهِ، لتبلغَ قلوباً لا حصرَ لها، يمسُ فيها وجههُ ليعودَ أكثر نوراً؛ فإذا بهِ يكتبُ من صمتهِ أكثرَ من ذي قبل، وإذا بدمهِ الذي ساحَ في الوجودِ عِطراً، يعود وقدْ حُمل من كل دمٍ رسالةً، وأثراً، فيصيرُ نبعاً لكائناتٍ كثيرة، أحبتهُ رغمَ اختلافاتها، وتصبحُ لغته التي ما كانت في يومٍ إلا طوع يديه، شيئاً عن كل آخرٍ يملك هويةً في العالمِ، أو لا يملك شيئاً. ففي حسهِ بالموجوداتِ كان يُسمي الأشياءَ بأسمائها، حتى أصبح يسمع كل صوتٍ يناديه، ولو صامتاً ، ولو باسمٍ غير أسمائه، وفي قلبهِ الذي وعى آلامهُ، كانت الآلامُ الأخرى تجدُ متسعاً في أرضِ اللبنِ هذهِ. تورفُ فوق قاطنها بهجةً لا يتفوق عليها حد، ومذ ازداد الصوتُ الداخلي الذي يناديه؛ صارت الأصواتُ الأخرى تدلُ إليهِ، فكان يسمعُ في الضوءِ خيوطه التي تتسلل بين أثاثِ منزله، وإلى ربطاتِ العُنقِ المستخرجةِ من التيــل القطني، وإلى أربطة الأحذيةِ التي يربطها لهُ أخوه الصغيــر بكل رفقٍ قبل ذهابهِ إلى المدرسةِ، لأنهُ أحبه بعمق، وإلى أبواب المنزل والأوراقِ التي تحنُ إلى أوطانها في غاباتِ مدار الجدي، وإلى الكلماتِ إذ لم يكتب منذ دقيقتين! لقد كانَ يعيشُ في الوجودِ بأشكالٍ كثيرة عندما كتبَ، وكانت أوراقه تعيد إليهِ شعوراً دفيناً في صدرهِ يُفتق منه الأنوار خمراً يغيبه عما أحسَ بهِ ليرى مالم يرهُ فيما أحسهُ وعمل بهِ قبل اللحظةِ، لقد كانت كل الأحداث تتبدل من جديد عندما يحسُ بها بطريقةٍ أخرى تريهِ مساحاتٍ شاسعة لأوطانٍ خرجت من صدرهِ لتوطن جمال المآوب. جمع بعضَ أسفارهِ، وراحت ذكرياتهُ تضخ كشلالات نياجرا، والنصوصُ تتعدد كلما قرأت كانت بلغةٍ أخرى، وبمعانٍ أكثرَ عمقاً، بما تعتقَ في مدادهِ، كانت كلماتهُ تهزُ في القلوبِ أشجارها لتسقطَ ثماراً جنية، ومن بينِ يدي حرفهِ فلق حسنه، ووجه كما رآهُ العميقونَ في الردهاتِ التي عبر منها ولم تغادرهُ عِشقاً سرمدياً. لقد رددَ ، منادياً ذاتهُ: في كل ذاتٍ أخرى يا عاهل آلام العالمين من سفركَ، وُلِدت كتابات أخرى لقلبكَ الجميل حينما يكونُ جليلا. * النص مقدمة كتاب عاهل آلام العالمين صدر ٢٠١٦ م


الكاتب: هيثم بن محمد البرغش آل ريس
0المفضلة
37 المشاهدات
0 تعليقات