الأجنحةُ الآسرة ٢
May 17, 2021 02:10 PM May 17, 2021 02:10 PM
الأجنحةُ الآسرة ٢ هنالك بعيداً عن الكائنات، أجنحةُ المعارفِ والفكر، ولولا المعارف لما طار الإنسان، ولظلّ حبيسَ كهوفِ التخلفِ والجهل، كما يحصلُ مع بعض المنغلقين في أمتنا من التيارات والجماعات كافة، الذين يظنون أنهم بلغوا منتهى العلم، وأنهم يعلمون وهم لا يعلمون، وهم حتى وإنْ علموا غابت عنهم الحكمةَ، وغاب عنهم النبلُ وتغليبُ مصالح الأوطان والناس على مصالحهم الضيقة، فيؤذون الناسَ، ومن قبلُ هم يؤذون أنفسهم، ولذلك هم يرون في كلّ جديدٍ تهديداً، وهم أنفسهم تهديدٌ لأمن الأوطان بلغْوِهم وتحريضهم وبثهم للفتن، أو حين يخرج من بينهم من يُدارون بأجهزة التحكم عن بعدٍ، فيقتلون ويفجّرون ويهجّرون، ويعطلون الأوطان، فتحلّ الفوضى محل القوانين والنظام، ويصبح الشرّ والإرهاب دربَ كلِّ من لا دربَ له. وهم يقطّعون أجنحة الأوطان، وينتفون ريشها، فتتوقف عن الطيران والتحليق واللحاق بركب الحضارة، والمشاركة في خدمة البشرية، ونشر العلم والرحمة والتسامح والوسطية والدين الحقّ، وتظلُّ ذليلةً كسيرةً حبيسةً ورهينةً لديهم ولدى أعدائها المتربصين، كما هو حالُ الأمةِ في معظمِ بقاعها اليوم، فاللهم احفظ أهلنا وأوطاننا. وهناك أجنحةُ الأرواحِ وأجنحة الفنونِ والآدابِ والشعر. وللحبِّ أجنحةٌ كذلك.. تطيرُ بقلوبِ العشاقِ فينسون أنهم على الأرض. والكلمةُ الحرَّةُ الصادقةُ ابنةُ بيئتِها وهويتِها تطيرُ بك عبر الحدودِ فتصلُ إلى كلّ شعوبِ العالم، وحالُ القصيدةِ كحالها. وتوصفُ اللغة بالمجنَّحة، وكذلك الحروفُ والقصيدة: وها هي القصيدةُ تطيرُ بغيرٍ جناحٍ على الدنيا، مستعينةً بأجنحةِ الحقِّ والخيرِ والحبِّ والتسامحِ والجمالِ والخيال، حتى وإنْ كان الشاعر في بقعةٍ ما من هذه الأرض قد طوى جناحاه على التعبِ أو المرضِ أو الفقر أو الظلمِ أو الغربةِ، والغربةُ غربتان، غربةُ ووحشةُ روحٍ، وغربةُ مكانٍ وبلاد: إنْ تَمْزِجِيْهَا يَا مِزاجَ قَـــصِيْدَةٍ كَتَمَازِجِ الأرْوَاحِ.. بِــــالأرْوَاحِ يُنْجِبْنَ حُبَّاً كَمْ تَمَنَّتْهُ الْـــــوَرَى قَلْبُ الأمِيْرِ.. وَمُهْــــجَةُ الْفَلاَّحِ أوْ تَلْمُسِيْهَا وَالْحُرُوفُ عَلِيْـــلَةٌ تَبْرَا فَيُشْرِقُ مِنْ يَدَيْكِ صَبَاحِي حَتَّى إذَا قَامَتْ تُقَوِّمُ خَـــطْوَهَا طَارَتْ عَلَى الدُّنْيَا بغيرِ جَنَاحِ* فإذا ما طارتْ وحلّقتْ وهبَتْ الدنيا وأهلَها الخيرَ والحبّ والجمالَ والتسامحَ والمعرفةَ برقّةٍ ولطفٍ وإنشاد، فتأسرهم دونما قيد، وتدلهم على دروب الحق والجمال فترتقي بهم بلينها وحسنها وبياضِ قلبها وياسمينها، لا بالتجهُّمِ والغلظةِ وقيودِ الحديد!..: أرْسَلْتُهَا للنَّاسِ مَا مِنْ غَــيْرِهَا تُسْبِي وَتَأْسِرُ دُوْنَ حَمْلِ سِلاحِ الْوَجْهُ مِنْ وَرْدٍ وَرِقَّةُ حُسْـــنِهَا مِنْ زَنْبَقٍ.. يَخْتَالُ عِنْدَ أقَـــــاحِ بَيْنَ التَّمَنُّعِ وَالْقُبُولِ حِـــــــكَايَةٌ مِنْ جُوْدِ تَوْرِيَةٍ وَمِنْ إفْصَـــاحِ لا كُرْهَ فِي قَلْبِ الْقَصِيْدَةِ إنَّـــهَا مَعْجُوْنَةٌ مِنْ طِيْـــــــبَةٍ وَسَمَاحِ وَتَفِيْضُ حُبَّاً لِلْبِلادِ وَأهْــــــلِهِا تُهْدِي النُّجُوْمَ لأعْيُنِ الْـمَــلَّاَحِ* يقول الشاعر العربي الكبير عبدالرزاق عبدالواحد -رحمه الله- في قصيدته «خيمة على مشارف الأربعين»، وهو اسم ديوانه الصادر عام 1970: كأنكَ في خيمةِ الأربــــعين تُخلعُ أوتادهـــــــــــا للسّفَرْ وتجْمعُ للدربِ زادَ المُــــقلِّ كفافَ المُنى وطويلَ السّهَرْ على أنَّ في قلبِكَ المســتفز جناحاً يُغالبُ أنْ يُؤْتَـــــسَرْ وفيكَ وإنْ لمْ تفُهْ صيـــحةٌ يطولُ مداها ولا يُختَـــــصَرْ لله ما أجملَ في الإنسانِ الحرِّ قلبَه، وجناحَه الذي يغالِبُ أنْ يُؤْتَسََر. وقد كانت أولُ محاولةٍ ناجحةٍ للانعتاقِ من الأسْرِ، أسْرِ جاذبيةِ الأرض في الأغلبِ للأخوين كارتر عام 1903 بطائرتهما wright flyer في كارولاينا الشمالية في الولايات المتحدة الأمريكية، وفيما يُوثَّقُ أنَّ أولَ طائرة مدنية مسالمة كانت طائرة روسية عام 1913، لكنَّ البداياتِ الفعلية للطيران المدني التجاري كانت في أوروبا بين فرنسا وبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى بدءاً من عام 1919، إذْ تمَّ تحويلُ الطائراتِ الحربيةِ إلى طائراتٍ مدنية، وبعد سنواتٍ من التطويرِ بعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ، رأينا كيف تغيّر العالم، واختُصرت المسافات، ونمت التجارة العالمية، وانتشر العلم، وسهل وصول كل شيء إلى كل مكان، من حبّةِ الدواءِ إلى الكماليات، وانتقل البشَرُ بيسرٍ بحثاً عن العلم والعمل، واكتُشفت مواردُ الأرضِ على نطاقِ العالم، فنشأت دولٌ جديدةٌ، وتغير العالم تغيراً جذرياً بفضلِ الأجنحةِ، وهي هنا أجنحةُ خيرٍ وسلام. ولكنّ هنالك أجنحةٌ للشرِّ أيضا، صنعها الإنسان من الحديد البارد، لشنِّ الغارات والحروب، بدءاً بالأسلحة التقليدية وصولاً إلى أسلحةِ الدمارِ الشامل. إلا أنَّ رمزَ الشرِّ المحضِ فيها كان صناعةً أميريكية تتمثّلَ في "إنولا جي" الطائرة التي ألقَتْ أولَ قنبلةٍ نووِّيةٍ على هيروشيما فمحتها وأهلها، ومن بعدها ناجازاكي، وقد خلّفت دماراً ووباءً يمتد طوال التاريخ، وجرحا في الأخلاق والمثل لا يندمل، جرحاً اسمه: Enola Gay و "إنولا قي" هو اسم الطائرة، وهو اسم والدة الطيار، الكولونيل بول تيبيتس، الذي يُعتبر بطلاً قومياً في وطنه الأم، لكنه يعتبر فيما يدونه التاريخ أكبر قاتلٍ فردٍ عرفته البشرية. وهنالك عشرات الآلاف من أجنحة الحديد والنار التي ألقت ملايين الأطنان من القنابل الحارقة على المدن والبشر عبر العالم في فيتنام والعراق وفلسطين ولبنان ومئات المدن والقرى، وقتلت وشردت الملايين: وقدْ كنتُ كتبتُ رسائلَ إلى أمريكا، إبَّان العدوان الأمريكي على العراق واحتلاله وتجريفه وتخريبه وتجزئته وزرع الطائفية والمذهبية فيه، وكانت هذه الرسائل قد كتبت بأسوبٍ نثريٍّ شعريٍّ ليسهلَ أمرُ ترجمتِها إلى الإنجليزية من بعد، وما زلتُ أحتفظُ بمخطوطها، وهذه دعوة لمن يريد نفضَ جناحيه من المترجمين إلى العربيةِ، ونقلها لتصلَ إلى أصحابها مع الأجنحةِ المهاجرةِ إلى الشَّمال! ومنها هذه الرسالة لهذه الطائرة الخبيثة المتوحشة: Enola Gay أيتها العملاقة: يا جبلاً من الكراهيةِ والحقد، يا وحشَ أمريكا الأسود، وتنِّينَ البنتاجون، يا ديناصورَ الرعب، وشبحَ الموت، يا دمارَ العالم أراكِ على بعد ِعمرٍ قصيرٍ تقصفين أبناءكِ وتَنْتَفِضِينَ على جذوركِ البيضاء كما أنني أرى النسرَ.. نسرَك الحديديِّ الذي زيَّن عوالمَ من بعثوك من الموت منقضّاً على ديكَةِ أعيادِ الميلاد ولْيذهبْ عندها "بابا نويل" إلى الجحيمْ!..* ورغمَ ذلك، فإنَّ الأجنحةَ تظلُّ ترتبطُ، في أعيننا وذاكرتنا، في نهايةِ المطافِ بالطيور، حيث الجمال والسلام والخيرُ والتسبيح، ويقظةُ وانتشاء الفجرِ، وسكينةُ وهجعةُ الغروبْ: الطيورُ تدلَّى على الأرضِ قبْلَ الثمَرْ. قلتُ نهجُ القصيدةِ قلتُ قلائدُ حُبٍّ من النِّسوةِ الصَّافياتِ كنونٍ ونشوةُ يُسْرٍ وسِرُّ افتتانٍ فقلْنَ الشَّجَرْ. قدْ أتَيْنَ فرادَى وجَمْعاً تلكَ هِيَ العامريَّةُ أمَّا فتلكَ هِيَ الاسْمُ قرْبِي الخَبَرْ. فالطُّيورُ بَشَرْ. والطُّيورُ على مَسْمَعٍ في الجَلالِ وَتَرْ * دمتم كما تحِبُّون وأحِبُّ، أجنحةَ خيرٍ لا شرٍّ، وخفقَ محبَّةٍ لا حقدٍ وكرْهٍ، ورسُلَ حَقٍّ لا باطل، وتغريدَ فرحٍ لا كآبةٍ وحُزْن. ____________________________ *للشاعر كاتب المقال.


الكاتب: محمد جبر الحربي
0المفضلة
45 المشاهدات
0 تعليقات