• الأسوار ١

    الأسوار ١ الأسوارُ والجدرانُ والحيطان، مفرداتٌ لها في النهاية معنى واحد، وإن اختلفت دلالاتها، وما يراد منها باتخاذها حول فضاء معين. فجَدَر الجِدارَ حَوَّطهُ، واجتدرَ الحائطَ بناه وشيَّدهُ، والجَدْر جمعه جُدْران، والجدار هو الحائط جمعُه جُدْر، وجُدُر. والحائط هو الجدار وجمعه حيطان، من الفعل حاط، وحوَّط المكان بنى حوله حائطاً، أمَّا السور وهو الحائط يطوف بالمدينة، فمِن سَار وجمعه أسوار وسيران، ويأخذ في الغالب صبغة العلو والطول، أما إذا سَوّرتَ المرأة فقد ألبستها سِواراً. وفي نفس السياق نجد أن الحجرة، والحاجز، من المفردات القريبة مما سبق من حيث معنى الحجر والحجز والعزل. وإذا كان الإنسان يحتاج للأسوار فإن ذلك لا يعني أنه يحبها، فهي تشكل عائقاً لحركته، وحريته، وخياله، ودهشته، ولذلك ليس بغريبٍ أن يتوقَ الإنسانُ لمعرفة ما وراء الأسوار، فلطالما كانت الأسوار شاغلةً لفكر المبدعين، محرضةً على الإبداع.. ولعلَّنا نجد في هذه القصيدة الجميلة لمحمود درويش شاهداً على ما نقول: قرِيباً مِنَ السُّورِ، سُورِ المَدِينَةِ، أَمْنَعُ نَفْسِي مِنَ الاعْتِرَافْ بِأَنِّي رَأَيْتُ الذِينَ سَيَأُتُونَ بَعْدَ قَلِيلٍ، سَيَأتُونَ بَعْدَ قَلِيلْ، وَيَبْنُونَ أَسْوَارَهُمْ حَوْلَ سُورٍ قَديِمٍ يُحِيطُ بسُورٍ قَدِيمْ. وَأَنِّي رَأَيْتُ الذِينَ مَضَوْا مِنْ هُنَا، وَمَضَوْا مِنْ هُنَا، بَعْدَمَا بَنَوْا سُورَهُمْ حَوْلَ سُورٍ قَدِيمٍ يُحِيطُ بسُورٍ قَدِيمْ. قَرِيباً من السُّورِ أَرْسُمُ سِلْسِلَةً مِنْ نُجُومٍ وَدَائِرةً مِنْ نُجُومْ. وَأَبْحَثُ عَنْ حَاضِرٍ كَانَ، أَوْ حَاضِرٍ كَانَ، أَوْ حاضِرٍ سَيَكُونْ: أَفِي وُسْعِنَا أَنْ نَكُونَ هُنَا...الآنَ..؟ فِي وُسْعِنَا أَنْ نَكُونْ..؟ وَنَبْنِيَ أَسْوَارَنَا، هَهُنَا... هَهُنَا، حَوْلَ سُورٍ قَدِيمْ..؟ سَأَلْتُ القَصِيدَةَ، فَاغْرَوْرَقَتْ بِالغُيُومْ. وقد يصلُ الأمر بالشاعر إلى رفض السور والجدار والحصار رفضاً تاماً، كما يفعل الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن في قصيدته الجميلة الجديدة على الشعر، والموسيقى السائدة، وقد تجاوزت الأسوار والديار، وأصبحت من أشهر الأغاني العربية: أرفض المسافةْ والسورْ.. والبابْ.. والحارسْ آه أنا الجالسْ ورا ظهر النهارْ.. ينفض اغبار.. ذكرى أرفض.. يكون الانتظار.. بكرا أبسقي عطش قلبي اليابسْ على اشفاهي .. بقول أحبك .. أرفض إني أموت في قلبك ما درى بموتي أحد.. حتى أنا. أرفض الصورة.. على الرف البعيدْ وجهك المحبوس في ورَق وحديدْ أرفض احساس الحبرْ أرفض الليل ..الحصارْ حبنا خلف الجدارْ آه أنا الجالس ورا ظهر النهارْ أنفض اغبار ذكرى أرفض يكون الإنتظارْ.. بكرا مثل البكا.. حبيبتي تحتاجني.. تحت الظلامْ ومثل الفرح.. حبيبتي أحتاجها.. وسط الزحامْ الحب علمها السكوتْ والحب علمني الكلامْ أرفض الصمت.. الحوارْ بيننا.. خلف الجدارْ أبسقي عطش قلبي اليابسْ .. على شفاهي.. بقول أحبك أرفض إني أموت.. أموت في قلبك ما درى بموتي أحد.. حتى أنا..! وإذا كان سور المدينة يمنع عنها الأعداء، ويحميها من الغرباء، فإن سور السجن يمنع "النزلاء" تلطفاً، أي المساجين حقيقةً من الهروب.. والمساجين فئاتٌ وأنواع، ليس كلهم من المجرمين واللصوص وقطاع الطرق والمهربين والقتلة والإرهابيين والمروجين، فهناك أسرى حروبٍ، وأصحاب قضايا، ومناضلون عبر العالم، لعل من أشهرهم نيلسون مانديلا وغاندي، وعشرات الآلاف من الفلسطينيين والعرب والمسلمين الذين دافعوا عن فلسطين وغيرها من أوطاننا التي خضعت للاستعمار، ومنهم من تجاوز مانديلا في مدة الحبس، وهم أبطالٌ حاربوا الاستعمار الإسرائيلي والتركي والفرنسي والإنجليزي والفارسيى والأمريكي لأوطانهم. ورغم ذلك، ومن جهةٍ أُخرى، فإنه كلما تفنن رجال الأمن في ابتكار الأسوار والأنظمة الحديثة، تفنن اللصوص والمجرمون في ابتكار طرقٍ جديدةٍ للهروب.. وأحدث ما في ذلك الطرق الإلكترونية التي لا نستطيع إلا أن نقول أنها عبقرية، ربما هي عبقرية العقول المجرمة، أو حتى البريئة حسنة النية، لكسر أسوار وحواجز الحماية عن المواقع والبوابات الإلكترونية الحساسة للوزارات المهمة والمصارف وغيرها، حتى في الدول النووية الكبرى، وهذا أمر يبعث على الخوف والفزع.. فنشأ " الهكرز" وعباقرة الاختراق الإلكتروني، حتى في الدول الفقيرةِ، والأقل تقدماً في أجهزة التقنية، لا في معرفة التقنية..! وكل ذلك، قديماً وحديثاً، صار مجالاً وفضاءً بلا أسوارٍ للروائيين والكتاب، وماكينة صناعة الأفلام التي لا تتوقف، فخرجت للعالم، (كل العالم، حيث لم تعد توجد أسوارٌ تمنع الكتاب أو المعلومة) مئات الروايات العالمية المؤثرة، ومئات الأفلام الناجحة الشيقة، وتصدرت أسرار الأسوار أشهر الرويات والأفلام والأخبار..! ومن أشهر الأسوار في العالم سور الصين العظيم الذي يصل طوله إلى أربعة آلاف وستمائة كيلومتر، وقد ابتناه الصينيون القدماء منذ القرن الرابع قبل الميلاد لحماية بلادهم من الغزاة، وتمت إعادة بنائه وإصلاحه مراراُ، كان أكبرها مع بدء العهد الجديد في الصين عام 1949م. أما اليوم فلم يعد للسور أهمية فعلية سوى للسياح، ودارسي الآثار. وأسوار القلاع والحصون لدى الحضارات القديمة منذ الإغريق والرومان دلالة على عظمة وقوة تلك الإمبراطوريات، لكن ذلك لم يمنع الجيوش الغازية من إيجاد الحلول لتجاوزها سواء عبر الحصار والتجويع، أو عبر التحايل والخديعة كما في أسطورة حصان طروادة، الحصان الخشبي الذي بناه الإغريق لدخول طروادة بعد حصارٍ دام 10 سنوات، لم يجدِ نفعاً، فتفتق خيالهم: "عن بناء حصان خشبيٍّ ضخم أجوف في ثلاثة أيام، ومُلئَ بالمحاربين الإغريق بقيادة أوديسيوس، أما بقية الجيش فظهر كأنه رحل بينما في الواقع كان يختبئ وراء تيندوس، وقبل الطرواديون الحصان على أنه عرض سلام، قام جاسوس إغريقي، اسمه سينون، بإقناع الطرواديين بأن الحصان هدية، بالرغم من تحذيرات لاكون وكاساندرا، حتى أن هيلين وديفوبوس فحصا الحصان فأمر الملك بإدخاله إلى المدينة في احتفال كبير.". احتفل الطرواديون برفع الحصار وابتهجوا، وعندما خرج الإغريق من الحصان داخل المدينة في الليل، كان السكان في حالة سكر، ففتح المحاربون الإغريق بوابات المدينة للسماح لبقية الجيش بدخولها، فنهبت المدينة بلا رحمة، وقتل كل الرجال، وأخذ كل النساء والأطفال كعبيد". وسياسياً يكتسب سور أو جدار برلين أهمية خاصة، وضجيجاً إعلامياً أكبر بسبب إزالته، لا بسبب بنائه، وقد قامت ألمانيا الشرقية ومن خلفها الاتحاد السوفييتي بتشييده عام 1961م، فقسم برلين إلى غربية وشرقية، وأصبح يفصل بين معسكرين وفكرتين وحلفين في حقبة الحرب الباردة، ولكنه يقسم قبل ذلك مدينة واحدة، وشعباً واحداً، كما يفعل الاستعمار، في كل زمان ومكان. وفي عام 1989م بدأت بوادر انهيار الجدار برفع قيود التنقل بين الشطرين فتدافعت الجموع نحو السور في حركة لا تنسى، إلى أن كانت الوحدة الألمانية عام 1990م، ليصبح السور مجرد ذكرى مريرة لفظاعة الحروب، والاحتلال، وما يفعل كل ذلك بالإنسان، كما هو حاصل اليوم بين الكوريتين، من فصل لشعب واحد، وتفريق للسكان والعائلات. وليس ببعيد عن ذلك أقبح الأسوار في العالم، وأكثرها تمييزاً عنصرياً، وهو السور العازل بطول 364 كيلومتراً في مخططه النهائي، وهو السور الذي بنته إسرائيل في في فلسطين، في قلب الضفة الغربية، حيث يقتطع أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية، ويقسم القرى، ويعزل السكان عن أراضيهم، وكأنه لا يكفي الاحتلال والتقسيم والتهجير والإبادة، وكأن أسوار السجون الإسرائيلية، والحواجز، والحدود المصطنعة، والمفارز، والمتاريس لا تكفي، والإبعاد والتهجير لا تكفي لتمزيق هذا الشعب المناضل الصابر وأراضيه..! يتبع..

    الكاتب: محمد جبر الحربي

    0المفضلة

    100 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من محمد جبر الحربي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الأسوار ١

    المزيد من محمد جبر الحربي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة