• الأسوار ٢

    الأسوار ٢ مع تطور الإنسان، تطورت نزعاته العدائية، وتغيرت أساليب حروبه، وأسلحته، وكذلك وسائل دفاعه، فتحولت الأسوار من الحجارة والطين إلى الإسمنت، إلى خليط من كل ذلك مع الأتربة والرمل كما في خط بارليف الإسرائيلي الذي تجاوزه المصريون بجدارة عام 1973م، ثم طورت الأسلاك الشائكة إلى الأسلاك المكهربة، حيث غذيت بشحنات عالية من الكهرباء الصاعقة، ثم دعم كل ذلك بأنياب الكلاب الفاتكة. أمَّا دينياً فهنالك سور الأعراف، وهو سور الجنة، وهو حاجز بين الجنة والنار: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْاْ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) 46 الأعراف. وهنالك حائط البراق، وهو الجدار الغربي للحرم القدسي حيث المسجد الأقصى، ويرتبط بقصة الإسراء والمعراج فيقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم ربط البراق بحلقة في الجدار ليصلي قبل إسرائه، ويعتبر وقفاً إسلامياً. وقد اتخذ اليهود، بتشجيع من الدولة الصهيونية المغتصِبة، وبتسهيل من الدولة العثمانية، فالبريطانية، فالولايات المتحدة أجزاء منه مبكى لهم، فهو لديهم حائط المبكى، بادعاء أنه جزء من هيكل مزعوم، مما يجعلهم يقومون بحفريات تهدد أركان المسجد الأقصى، للتضليل، وللاستيلاء على أراضي وبيوت الفلسطينيين، وتهجيرهم بالترغيب والترهيب، ضمن خطة صهيونية للاستيلاء على القدس كاملةً، وجعلها عاصمة أبدية للكيان الزائف. ولعلنا نتذكر هنا قصة موسى مع الخضر (عليهما السلام) والجدار: (فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) ﴿77﴾. وهنا الشرح: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) ﴿82﴾ الكهف. وكذلك قصة ذي القرنين عليه السلام مع السد، وهو هنا بمثابة السور لأن القصد من بنائه منع البشر لا الماء: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ﴿93﴾ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴿94﴾ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿95﴾ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴿96﴾ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴿97﴾ قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) ﴿98﴾. ومن الجدران التي وجدت رواجاً هائلاً، جدار روجر ووترز، وهو الألبوم الخطير لفرقة بنك فلويد Pink Floyd ، الذي حقق نقلة نوعية في الموسيقى، ثم كان الفيلم، وحقق الفيلم المأخوذ عنه، بعداً سينمائياً جديداً، مع إيرادات خيالية، وكلمات الأغنية الشهيرة "طوبة أخرى في الجدار" لمؤلفها روجر ووترز Roger Waters، تسير ضمن الرفض للسيطرة على عقول الناس بالتعليم التلقيني الذي لا يترك مجالاً للإبداع، ورفض التعليب، كذلك رفض السيطرة على الناس، وتدمير الأرض بالحروب المدمرة، التي تبدأ عادة بالتحريض السياسي والإعلامي، ومعروف عن ووترز رفضه للحروب، وأثر الحرب العالمية الثانية واضح على معظم إنتاجه. Another Brick in the Wall We don't need no education We don't need no thought control No dark sarcasm in the classroom Teachers leave them kids alone Hey! Teachers! Leave them kids alone! All in all it's just another brick in the wall. All in all you're just another brick in the wall. والمعروف أنه مهما علت أسوار المدارس أو السجون، فإنها لا تستطيع الحجر على عقول مرتاديها، أي أنه لا يمكن تسوير العقول والأفكار، ولا سجن الحقيقة، ولعل في نيلسون مانديلا وغيره من سجناء الرأي والقضايا العادلة أمثلة ناصعة على ذلك، حيث أسسوا من خلف الأسوار حريةَ شعوبهم من الاستعمار والاستعباد. وأكثرُ الأسوار أذىً هي تلك التي يبنيها المتطرفون من كل دينٍ وعقيدة وعرق من كارهي الحياة والناس حول عقول أتباعهم، وسلبهم الإرادة، والقدرة على التفكير والتدبير، حتى يصبحوا قطعاناً وأدواتٍ صماء في أيديهم، يدمرون بها البلاد والعباد، ويعطلون مسيرة الحضارة والحياة. وهذا هو واقع الإرهاب والإرهابيين في العالم.. وليس أكبر من أذاهم أذى. ومن الأسوار المؤذية الأسوارُ النفسية، وهي أسوارٌ يمكنُ أن تحيط بالمرء، أو قد يحيط بها المرء نفسه، فتشل حركته، وقدرته على عيش حياةٍ طبيعية، وعلى تحقيق التقدم والنجاح، والعجيب أن بعضها قد يتشكل بسبب الشهرة والنجاح كالتوتر والقلق والكآبة، ومن ذلك أنواع متعددة من الخوف، والرهاب أو الفوبيا، وقد تكمن أسرار مسبباتها في مراحل الطفولة المبكرة، أو في الصدمات النفسية الحادة التي تحدث بسبب ضغوط العيش والعمل في حياةٍ أصبحت أكثر تعقيداً، ومن ذلك الحزن الشديد المزمن، لكن أسوار الكآبة السوداء هي الأقسى، وهي التي قد تضيق فتكبِّل الإنسان تكبيلاً. أما أحدث الجدران، أو الجدر فهو موقع الفيس بوك Facebook وهو موقع افتراضي يتيح لمن شاء إقامة جدار يعلق عليه صوره ولقطاته، ويكتب في مساحاته سيرته وما يشاء من نتاجه، ليطلع عليه المريدون، كما يطلع هو على نتاجهم، لتصبح من أحدث وسائل التواصل، ونقل المعرفة عبر العالم، وقد نشأ في أمريكا الشمالية، ويتجاوز المشاركون فيه اليوم عدد سكان أمريكا بكثير. وقد ابتدأ بسيطاً كنادي صداقة في الجامعة، حتى أصبح نادياً للصداقات عبر العالم. وعلى ذكر الكتابة على الجدران الافتراضية، فقد ارتبطت الجدران الحقيقية بالكتابة والنقوش والتدوين الذي يؤرخ للحضارات كما في جدران الأهرام، والمدن البابلية والآشورية القديمة، وكل حضارات العالم القديم.. وتعتبر الجزيرة العربية، والمملكة العربية السعودية تحديداً كنزاً مفتوحاً للكتابات والنقوش، كان مغيَّباً بحجج واهية، حتى رزقنا الله برؤية 2030، فتمَّ فتح هذه الكنوز العظيمة للعالم، ومن ذلك: جبة وشويمس في حائل، ومدائن صالح في العلا، ونجران أكبر متحف للنقوش الصخرية في العالم في موقع بئر حمى، والحناكية، وغير ذلك كثير مثير، ستبديه لنا الأيام إن شاء الله تعالى..! أما في العصر الحديث فقد أصبحت الجداريات فناً، وغدت الجدران معرضاً فنياً، وملصقاً إعلانياً، أما في الشوارع الخلفية للعواصم والمدن الكبيرة، الغنية والفقيرة، فهي سبورة للاحتجاجات والمناشدات وصرخات الغضب والاستنكار، ومكاناً مفضلاً لتنفيس الرغبات والميول ليس لدى المراهقين فحسب بل لدى فنانين ناضجين عبر العالم. وهكذا تكاثرت هذه الجدران الافتراضية، حتى أسرت المجتمعات الكبيرة داخل الأجهزة الصغيرة، وأبعدتها عن التفاعل الدافئ، وبات أفراد الأسرة الواحدة غرباء بين جدران بيوتهم..! وكلنا يعرف أنه قد بنيت عبر التاريخ أسوارٌ، وأُزيلت أُخرى، ولكن هل نعرف أنه قد قُبِّلَتْ الجدرانُ من قبل..؟! والجوابُ نعم، طالما بقي عشاقٌ، وعشقٌ لا حدود له، ولا يعترف بالحدود، سواءً أكان عشقاً للأرض أم كان عشقَ المحبين، كما نراه عند مجنون ليلى قيس بن الملوح في هذين البيتين النادرين الجميلين: أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارَا وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفْنَ قَلبي وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارَا ولنا أن نسنتهضَ خيالَنا ونسألَ: هل للجدرانِ أذرع تحضن بها لتشيعَ الدفءَ والأمان..؟! وهنا يمكنني، عبر شعري، أن أجيب: نَامَتْ فَأَيْقَظَتِ الْمَكَانْ. تَبْدُو لِيَ الْجُدْرَانُ، جُدْرَانُ الزَّمَانِ تُحِيطُهَا لَكَأَنَّ لِلْجُدْرَانِ أَذْرِعَةً مِنَ الرُّمَّانْ. مِنْ جُلَّنارٍ مِنْ نُهُوضِ الضَّوْءِ يَدْعُو يَصْطَفِيهَا بَهْجَةً.. وَيُشِيعُ فِي الْأرْكَانِ أُغْنِيَةَ الْأَمَانْ. هي دورة العالم والأيام إذاً، جدران وحيطان وأسوار تقام وتستحدث ويُدوَّن عليها، وأخرى تهدم وتندثر وتزول لتصبح أثراً بعد عين..!

    الكاتب: محمد جبر الحربي

    0المفضلة

    28 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من محمد جبر الحربي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الأسوار ٢

    المزيد من محمد جبر الحربي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة