• إلى طائفُ الخَيَال

    إلى طائفُ الخَيَال الْعُمْرُ الرِّحْلَةُ أَشْجَارٌ وَطُيُورْ. وَعَطَايَا مِنْ وَرْدٍ وَعُطُورْ. وَزَوَايَا فَارِهَةٌ مِنْ شِعْرٍ وَغِنَاءٍ وَنُدُوبْ. الْعُمْرُ الطَّائِفُ.. إِذْ يَطْرُقُ بَابَ الْبَيْتِ غَزَالٌ مِنْ شِعْرٍ ثُمَّ عَلَى عَجَلٍ يَهْرُبُ وَالنَّاسُ تَقُولُ لَهُ مَا بِكَ يَخْجَلُ وَالْبَسْمَةُ تَعْلُو وَالْقَلْبُ يَذُوبُ ومَا ثَمَّ ذُنُوبْ. يَا رَبَّ الطَّائِفِ هَذَا الطَّائِفُ مِثْلِي يَخْجَلُ مِمَّا تمنَحُهُ فِي الصُّبْحِ الْحِنّاءْ. الْعُمْرُ يُسَافِرُ فِي كَفَّيْنِ وَيَقْرَأُ وَجْهِي وَهْوَ يُغَنِّي يَا سَيِّدَتِي.. مَنْ يَتْرُكُ عِطْرَاً أَوْ شِعْرَاً فِي هَذَا الْوَقْتِ الْـ يَغْرُبُ غَيْرُ قُلُوبٍ تَعْشَقُ، وَالْعِشْقُ قلُوبْ. هَيَّا مَا بَالِي أَبْكِي وَأَنَا أَعْزِفُ لَحْنَاً تَعْرِفُهُ النَّاسُ، وَلِلنَّاسِ مَقَامْ: مَا ثَمَّ شِمَالٌ.. دُونَ جَنُوب..! نقرأ المدن، ونتعرف على جوهرها بقراءة الواقع، والتاريخ، قديماً كان أم حديثاً، إلّا مدينة الطائف، فهي من المدنٍ القصائد النادرة في العالم التي ترتبط حروفها بالواقع والتاريخ، وبعالمٍ آخر هو عالمُ الخيال والدهشة، عالمٌ ملوّنٌ بألوان الطيف، عالمٌ خرافيٌّ، للأماكن فيه سحرٌ وعطرٌ وذاكرةٌ وندى.. عالمٌ يتبارى فيه السحاب مع الضباب، وتتحاور فيه السهول مع الجبال، كما تتفاخر فيه القبائل مثل ثقيف وقريش وهذيل وهوازن وبني الحارث وبني مالك، وغيرهم ممن وفدوا من كافة مناطق المملكة فيه بعد توحيد المملكة، وتوزيع قطاعات من الجيش فيها، وكذلك هجراتٌ من أنحاء العالم عبر مكة المكرمة، ويتباهى جميعهم أيهم الأجدر بصباح طائفي آخر.. في عالمٍ للماء فيه تاريخ يتأرجح بين المطر والسيول والوديان والينابيع والغدران والصخور. والينابيع والغدران وإن غارت أو جفت إلا أنها تروي الذاكرة بماء كماء "جَبرة، وغدير البنات، والمعسَل"، وغيرها كثير.. والماء وإن انتقل عبر الأنابيب، إلا أنه لا يزال يحن لصعود وهبوط المدرجات، والتجول في الحارات العتيقة محمولاً على أكتف السقاة، أو " السقايين ". والمسافر للطائف لا يركب طائرة، وإنما يستقل غيمةً، وإن اعتقد عند وصوله أن الغيمة قد أضاعت الطريق، وسافرت به إلى الشام، فقد صح اعتقاده إلى حد كبير، فالطائف كما تقول إحدى الروايات، قرية أو جنة من الشام، وقيل من اليمن، نقلها الله سبحانه وتعالى لتطعم أهل مكة من جوع: "لإيلاف قريشٍ* إيلافهم رحلة الشتاء والصيف* فليعبدوا رب هذا البيت* الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف "، ومن هنا جاء اسم الطائف لأن جبريل عليه السلام بعد أن اقتلع هذه القرية/ الجنة من الشام، طاف بها على البيت، أما الرواية الأخرى، فهي التي ترجعه للسور الذي بنته حول المدينة ثقيف لحمايتها، فهذا السور يطوف حولها. وسلة فواكه الطائف نادرة حتى في أسمائها وأشكالها وطعمها المميز بدءاً من التفاح الطائفي الصغير، إلى العنب الشفاف الريان، إلى المشمش والخوخ والرمان والتين الذي يعرف بال " حَماط "، أما التين الشوكي، فهو " البرشومي " وينادي عليه الباعة قديماً بلكنتهم المميزة " يا مال الشفا يا برشوم " ، أما السدر فلأشجاره هيبة خاصة وجلال: " سلامٌ على الأرضِ يُورِثها مَنْ يشاءْ. سلامٌ على موطِنِ الأكرمينْ. لتلكَ التي بالضَّبابِ احتوتني صغيراً على السِّدرِ والنَّبْقِ منِّي سلامْ. وللعسَلِ المُنتقى في الجبالِ سلامْ. ونهرُ الطفولةِ ذاكَ اليَعودُ إذا تعبرينْ. وإذْ تمطرينَ كما يُمطِرُ الطَّائفُ المستريحُ بحِضْنِ الجِبالْ فيأتي الجَمالْ وتغدو الحياةُ بنا أُلفةُ الفلِّ والوردِ والياسمينْ.". وللطائف مناحله وعسله الخاص، ف " عسل الشَّفا كله شِفا " حيث تشتهر به هذه المنطقة، وورده الذي تغنى به طلال مداح ليس له مثيل، ونعناعه الذي تتذكره مقاهيه، ودكاته، ومدمنوه من أهل الحجاز، وغيرهم. وكما وهب تنوع النسيج الاجتماعي البديع الطائف بعداً حضارياً مميزاً تتقاطع فيه الثقافات والألسن: اللغات واللهجات، فقد منحه مائدة مميزة كذلك مقتطفة من أنحاء المملكة والعالم، من أكلات الجنوب واليمن الدسمة، إلى عجائن وحلويات الصين وطاشكند وسمرقند وأوزبكستان وداغستان وغيرها. أما ثقافياً، فلا يوجد من لا يعرف سوق عكاظ وأهميته التاريخية والثقافية، ولا من لم يفرح بإعادة الاعتبار إليه صرحاً وتجمعاً ثقافياً نعول عليه في خدمة الثقافة والسمو بها في وطننا الحبيب، وها نحن نحتفل بمهرجانه في دورته الثالثة. ولعل من الطريف هنا أن نذكر أن الطائف ضم أول مكتبة، أو محل لتأجير الكتب، نعم تأجير الكتب، واستبدالها، وتلك مكتبة السيد رحمه الله، وكانت ظاهرة فريدة ساهمت في تثقيف عدد كبير من الكتاب والمبدعين الذين نقرأ لهم اليوم، لأنها ساعدتهم على الحصول على المعرفة المتنوعة بثمني زهيد في وقت كان فيه المال لا يكفي للطعام. وقد كان الطائف مصدر إلهام وتجمع للشعراء والفنانين، وله الفضل على جيل العمالقة، أدباء وكتاب أغنيةٍ وملحنين ومطربين. وقد حظِيتْ الأماكن المعروفة فيه بحضور مميز في الأغنية السعودية كشهار، ووادي وج، والهدا، والشفا، وثقيف، كما في " يا ريم وادي ثقيف". والطائف من أوائل المدن السعودية التي أحيت الحفلات الغنائية منذ أكثر من أربعين عاماً، وكذلك العروض السينمائية، والرقصات والألعاب الشعبية، وألعاب الأحياء النادرة كالليري، والبرجون. وكانت حاراته مسرحاً مفعما بالحيوية والنشاط والحركة والألوان والباعة والأصوات، فجمع احتفالية الأرض بحيوية أهلها وتحضرهم من جهة، ومنتجاتهم الزراعية الملونة الفريدة، باحتفالية السماء بسحبها وبرقها ورعدها، وضبابها. ورغم التغير العمراني الكبير الذي طرأ على مدينة الطائف فغير خريطتها وشكلها، وتقلصت فيها الأراضي الزراعية مع اكتساح العقار، وحلت محل أهله الأصليين هجرات من كل صوب لا تكترث بالزراعة كما كان يفعل أهلها، فانخفضت المساحات الخضراء، وقلت نسبة الأكسجين، إلا أنها رغم ذلك، ما زالت تحتفظ بجمالها، وتظلّ في عين أهلها، وأحبابها، جنة عذراء كما أنشئت في الأصل، لا يطيقون غيرَ ترابها ومائها وهوائها، وخيالها الواسع الخصب: أنتِ والطائفُ عيْنَانِ بِرَاسْ نهضةُ الخُضْرَةِ مِنْ بَعْدِ يَبَاسْ جنَّةُ الدُّنيا، وأطيافُ الورَى لا نرَاها جنَّةً.. مِنْ غيْرِ نــاسْ أيها المأنوسُ فينا ما جَرَى للذي أجْرَى دُمُوعَاً حِينَ مَاسْ بدّلَ البَسْمَةَ حُزْنَاً وانطـوَى طاوِيَاً عمْراً كما حَصْدُ غِرَاسْ وارتدى مِنّا قمِيصَاً لا يُـرَى بَعْدَ أْنْ قدَّ مِنَ الذِّكـرى لِـبَـاسْ ما أسَاسُ الكَوْنِ بَذْرٌ لِـلْقِلَى إنَّمَا البَـذْرُ مِـنَ الـحُـبِّ أسَـاسْ ___________________________ المقاطع الشعرية للشاعر كاتب المقال.

    الكاتب: محمد جبر الحربي

    0المفضلة

    37 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من محمد جبر الحربي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • إلى طائفُ الخَيَال

    المزيد من محمد جبر الحربي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة