• السفر عبر الزمن..نحن لا نعيشُ الحاضر

    هل تُبهرُكم أفلام الخيال العلمي كما كان الحال لدي؟ كنت دائماً في طفولتي مُحبّاً لأفلامِ السفر عبر الزمن عن طريق آله الزمن المستوحاه من خيال المؤلف، فتارةً يسافر البطل إلى الماضي وتارةً إلى المستقبل، ما كان يجذبني هو أنّ هذه الأفلام تكسرُ شوكة الواقع حين تَخرج من ثوب الحاضر في كلِّ مرة، باختلاف القصص واختلاف المُجرَيات، فكعادةِ الصغار يحبّون الخروج عن المألوف، يميلون للمغامرة ويسعون وراء عدم الواقعية، كنت أنامُ أحلمُ دائماً كوني شاباً ناضجاً أَنهى حياتَه الجامعية ويبدأ خطواته الأولى في العمل، كنت أحلُم أيضاً كوني رجلاً أو شيخاً يجلس بين أبنائهِ وعائلته، كانت أحلامي تضعني في غير موضعي، لا آبهُ ماذا سأكون في كل مرّة، المهم هو أنني غامرتُ خارج حاضري ولو عن طريق الحلم. اليوم..لم أعد أشاهد أفلام السفر عبر الزمن، لم أعد مولعًا بها كما كنت، لأنها بعد مرورِ الوقت تبيَّن لي أنها ليست خيالاً علمياً! إنها واقعية، أدركت ذلك حين كبُرت، أكاد لا أعيش يوماً في الحاضر، لا ينفكُّ عقلي يجول بين الماضي والمستقبل، أسبح في بحر الماضي إما متعلقاً بذكرى جميلة لن تُمحى، مرتبطٌ بتفاصيلها، أسعى نحو تكرارها، وإما ذكرى مؤلمة لا يزورها النسيان مرةً حتى ولو خطئاً، أتعجب كيف وأنا أشعرُ أنني لا أعيش حاضري عاصرتُ هذه الذكريات؟ وهي كانت حاضراً يوماً ما، لكن مع الأيام تُصبح هذه الذكريات جزءاً من الهوية لا أستطيعُ إنكارها لأنها أنا، فكأنَّما خُلقَت أجسادُنا من طين، وتكوّنت شخصياتُنا من ذكريات. ولأنها فطرة الإنسان أن خُلِقَ في كَبَد فهو دائماً ما يبحثُ عنه، فإذا حاولتُ تَجَنُّب الماضي قليلاً، لم ألبث إلا أن أُعملَ النّظر في المستقبل وأتأملَ فيه، كيف سيصبحُ الحال بعد شهور؟ بعد سنوات؟ بعد عقود؟ هل سأظفر يوماً بما أتمنى؟ هل ستضيع آمالي؟ وإذا ضاعت، كيف سأكون؟ هل سأفقد الأحباب واحداً تلوَ الآخر أم هم سيفقدونني أولاً؟ بأي أرضٍ سأعيش؟ وفي أي طريقٍ سأسعى لكسبِ قوتَ يومي؟ وتطول قائمة الأسئلةِ إلى ما لا نهاية.. الحقيقة الواضحة هي أنني لا أعيش الحاضر إلّا قليلاً، لا أجدُ نفسي في زماني أبداً، أسافرُ عبر الزمن كلّ يومٍ بدونِ تلك الآله، حتى ليسَ في الأحلامِ كما في طفولتي، لذلك لا يجبُ أن تُصنّفَ هذه الفكرة خيالاً علمياً، ليس إنكاراً للسفرِ عبر الزمنِ ذاته، ولكن إنكاراً لآلةِ الزمن.

    الكاتب: حامد

    0المفضلة

    38 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    السفر الزمن خواطر 

التعليقات (0)

المزيد من حامد

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • السفر عبر الزمن..نحن لا نعيشُ الحاضر