• عزاءات الأدب وجماله

    هذه مقدمة كتاب: أدباء حياتهم وأعمالهم مترجم عن الإنجليزية ومن منشورات أدب هذه مقدمة ليست أكاديمية تتذرع بآليّات البحث العلمي؛ بل هي محاولة للولوج إلى منطقة تعتبر من أهم مناطق الجمال الكوني، التي ارتادها الإنسان عبر تاريخه البشري، عرف الإنسان اللغة وكانت وسيلته المحورية في التعرف على ذاته والكون من حوله، ولم تكن اللغة هذا الكائن الغريب الذي ما زال يحظى باهتمام متزايد من الباحثين والدارسين لمعرفة كنهه وأسراره، لم تكن لتبخل على الإنسان، فلا تمنحه إلا وظائف لغوية محدودة يعبر فيها عن أغراضه اليومية، واحتياجاته الضرورية، بل أشرعت له أبواباً لا تكاد تحدها حدود، يقلب فيها الأدباء أوجه الكلام على صور من المتعة والجمال. وليس من عجب -حينئذ- أن يُطلّ السؤال المحوري التاريخي برأسه في كل حقبة زمنية أمام النقاد: ما وظيفة الأدب؟ إنه سؤال وإن كان سؤالا علميا مشروعا، إلا أنه أيضا يحمل إشارات وإلماحات من التعجب والغرابة التي تكتنف هذا الكائن الأدبي، الذي يحرك بشغف فضول الباحثين والنقاد ليكرروا السؤال في كل حقبة يتعرض فيها الأدب لتحولات عميقة، يعتقد فيها بعضهم أنه أصبح لا جدوى من الأدب ولا فائدة منه، فهو كلام بكل بساطة لا يصلح لشيء!، بل حتى صناعته للمتعة والجمال زاحمته الحضارة الإنسانية منذ نهاية القرن التاسع عشر بصنوف من الأجناس الجديدة، التي تصنع متعة وجمالا تفوق ما يقدمه الأدب. هذه الحجة وإن بدت للوهلة الأولى صادمةً، إلا أن الأدب بكافة أجناسه لم يتأثر بها أو ينحسر معها، فما زال يتّقِد جمالاً، ويفيض متعةً، ويتناسل الأدباء من كل حدب، يرسمون بكلماتهم مداراتٍ لا حصر لها، من فنون القول التي يتزاحم عليها القراء؛ لأنهم يجدون فيها ما يبحث عنه الباحثون عن وظيفة الأدب! إن بعضا من الأسئلة العلمية لا تصلح إلا في حدودها الأكاديمية الجافة، يتصارع حولها العلماء والنقاد، وتظل الحقيقة التي يبحثون عنها قريبة جداً، وملاصقة حدّ التماهي لنا نحن معشر القراء البسطاء، الذين تطيش عقولنا فرحاً لكلمة عابرة، ترسم في فضائنا قوس قزح من الدهشة، أو نطأطئ رؤوسنا حزناً أمام جملة تحفر في عمق مأساتنا، ونسير خلفها كما سار درويش خلف جنازة الغريب دون أن يكلف نفسَه سؤال من هذا الغريب الذي يسير في جنازته؟ وقد نسير في ركب أوسكار وايلد وغيره ممن يرون أن الأدب كماله الخاص في داخله، وليس في خارجه، والأشياء الجميلة هي الأشياء التي تخصّنا، ولا هدف لها من الناحية العملية؛ فالفن الخالص لا علاقة له بأيّ شيء كان! ولكننا لا يمكن أن نغفل ما يمكن أن نسميه: عزاءات الأدب، التي يقدمها لنا كلما ضافت علينا دوائر الحياة، حيث نفزع إليه لنجد أدباء عظماء صقلتهم التجربة، فجاؤوا من عمق الماضي أو أتون الحاضر؛ ليعبّروا عمّا يختلج في أرواحنا، ويكونوا هم منافذ الروح التي تتنفس من خلالها هواء اللغة. إنه التأسي حين تجد حولك من ذاق مرارة الحياة، فتشتد إرادتك؛ لأنك لست وحيدا في مغامرات هذه الحياة المتقلبة؛ فتقول مع الخنساء المفجوعة بأخيها صخر: ولولا كثرة الباكين حولي على أحبابهم لقتلت نفسي! الأدب هنا بمنظور الخنساء درع وحجاب يحول بيننا وبين أن نقتل أنفسنا، حين نظن أننا وحدنا نواجه هذا المصير المرعب، بينما يأتي الأدب يحمل تجارب أدباء شربوا من نفس الكأس، وسكبوا لنا من ماء الشعر والنثر ما يقوي عزائمنا لمواصلة الطريق! وفي هذه الموسوعة الفاخرة ستجد كوكبة من أعظم أدباء العالم شرقا وغربا، وستقرأ في سيرهم المختصرة هنا عن حياتهم التي لا يخلو معظمها من فجائع وآلام، انعكست على أعمالهم بجدارة، ولا تخلو كذلك من ومضات الفرح وصدف السعادة، وهكذا هو الإنسان بكل بساطة! لقد مُنِح الأدباء سحر الاستعارة التي مكنتهم من الغوص بعيدا في أعماق الحياة، هذه الأداة المحلّقة "والقوة الأكبر خصوبة التي يملكها الإنسان، ففعاليتها تصل إلى تخوم تحقيق الخوارق، وتبدو أنها أداة الابتكار التي تركها الرّب في واحد من مخلوقاته حينما خلقه، فهي وحدها التي تتيح لنا الانفلات وتخلق بين الأشياء الواقعية شعابا خيالية". (Ortega y Gasset) وطالما كان الخيال للأدباء والشعراء منفذا للجماليات التي لا تنتهي، والابتكار الذي يصنع لنا الجديد حتى قال ماكس مولر: "حينما يتعلق الأمر بابتكار علمٍ جديد، فإن الحاجة إلى خيال الشاعر تكون أشد ضرورةً من دقة العالم".

    الكاتب: عبدالله السفياني

    1المفضلة

    449 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #أدب #جمال #فنون 

التعليقات (0)

المزيد من عبدالله السفياني

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • عزاءات الأدب وجماله

    المزيد من عبدالله السفياني

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة