قراءة نقدية لرواية النساي ليوسف المحسن
Jun 18, 2021 09:43 AM Jun 18, 2021 09:43 AM
النسّاي .. اسطوريٌ غرائبي عن يوميّات غير مرئيّة نجم الجابري- العراق اشتغال الروائي العراقي يوسف المحسن بالصحافة مكّنه من ادوات السرد وصقلت مقدرته الفنيّة كتابة السيناريوهات التي حصل فيها على جوائز مهمة، فقصص النسّاي القصيرة المتداخلة اشبه بالخيالات و الاحلام وهي تنسخ ذاكرة اجيال عديدة وبغرائبيه فريدة واسلوب فريد ينهج بلغة شعريّة شفيفة، ان تنويهات حائط الموتى وتخيلات جنة(البطلة) وخيول نون حاء (البطل) تجعلنا نخمّن القرية التي تحدث فيها قصص المحسن هل هي مسقط رأسه شرقاً ام هي حكايات البحر التي ذكرها ماركيز في قصصه غرباً، هي قرية في مخيلة المحسن لكنّها بلا شك في عالم يؤمن بالتخيلات والاساطير رغم كل إسناديّات ابطالها الثقافية لفلاسفة المان وغيرهم. بمنأى عن الزمن ومقاساته جاء الاهداء فلسفياً مباغتاً، ولوحة الغلاف ببالونات متداخلة، اللوحة مبتسمة لغدٍ آخر فيما تحلّق طيور مستقرّة في رأس متأمّل. عن دار سطور في بغداد صدرت للكاتب يوسف المحسن روايته الجديدة النسّاي ب 285 صفحة من القطع المتوسط، ومثل حصان متحفز يروّض نص المحسن لهبوباته الحارقة، وفي غفوة ضياع يبحث القارئ عن ملاذٍ في روايته الشاسعة ليتشبث بلجام حروفه وجمالها، كان دليلي المجهول وطيري النهاري بديعاً مثل حكاية عشق، هي افق مفتوح يحتاج لاذن صاغية وعين ثاقبة تحصي ضجيج القرى التي تحوّلت الى مدينة ضائعة وتصوغ الصحراء اللصيقة بكسل المدن والمرائي المهمّشة. ابطال طفيليون يعيشون التخمين والتخيل والافكار على رمل الشواطئ ويردّدون اهازيج الساقية وينسلّون بالانخراط في عادتهم السرية، يتناسلون كعيون عابرة سبحت في البؤر القصيّة، بدويّة الملامح رغم شفافيتها اللغوية منسجمة مع تأوهات نون حاء وجنة بانسجام مع الفطرة الغامرة وضح النهار. ابطالها متخيَّلون انساهم النسّاي فاتكأوا على حائط الموتى حائط الحرب والحصار الذي يشغل حيزاً في حوارات جنة(البطلة) وظلمتها الحالكة، رؤيتها لأشياء مثقوبة مثل لوحة تعبيريّة ترسم انتقال الاخيلة لمربع الصورة القصي ،الحسي والمحسوس منها لا شيء غير رؤية لمدن الضوء من كوة واحدة . تتداخل احداث وأزمنة الرواية بل قصصها القصيرة وتربك المتلقّي بحواراتها المدوّرة والمفتوحة، فنهاياتها بداية والعكس صحيح، عذوبة كلّما غاص المتلقّي فيها زاد شغفه بالأعماق، فالحكاية جميلة تنقش ملامح واقع المدينة التي كانت قرية مليئة بالغرائب المحضة. الرواية تخلط بين الواقع والخيال لأنّها في كلّ زمان وفي كلّ مكان، هي عوالم متداخلة من الكوابيس بقدر ماهي تحوّلات فلسفيّة لشخصياتها ونظرتهم للموت والحياة معاً ورغم التقابل مع حوارات اشبه بالسراب حيت الانتقال من مشهد الى اخر وبعوالم مغايرة، وفي منتصف الرواية تُفلت البوصلة ويسود هذا الدمج بين الواقع والخيال واللامكان واللازمان . احداث مكثـّفة من زوايا عدّة، حوارات ابطاله المشاكسين غير منتهية وكأن القارئ امام شيء عجيب بتفاصيل مخفيّة ظاهرها لا يدل على باطنها ، فزمن الرواية هو نطاق ليلة المراقبة امام جدار الموتى وفي فسحة جغرافية واحدة لكن الرواية تحلّق بالمتلقّي بعيدا عن عصره ومكانه وتقدِّم سنوات من الحرب والاسر والموت المجان وبمشاهد تعلق في الذهن. البناء السردي اعتمد على دالة الملاذ وعلى استنطاق الابطال وعلى حيوانات واعشاب وارواح هائمة، حقائق صادمة اوقعت تغييراً مذهلاً مزّق جدار الواقعيّة فهي الى واقعيّة الفنتازيا اقرب، لقد اخفى المؤلف انفعالاته واخطاره وقدمها برؤية خياليّة عجائبية نحت بها ظروف القرية او بلدة مابعد الحرب، المحسن يقدم اشياء واقعية ويستدرجه الى فخ عوالمه الغرائبيّة مما يزيد من جمالية السرد ويدفع عقل المتلقّي للاستمرار في هذا النمو فهي فنتازيا محبّبة وشيّقة وثرّة بالتأمّلات الواعية. شخوص الرواية نزحوا صوب الانعزالية والاغتراب ومارسوا اعمالا غريبة انتقلت بين موت وحياة وميتات متعددة، بيد ان متن الرواية لم يلتزم بوقت محدد ومنتظم لتسلسل الحوادث وجاءت الحكايات بتعاقب متداخل مثل حوار مدوّر وسط حلقة حاضنة للأضداد في الزمكان، النسّاي الذي التهم القرية والمدينة قبل ان تولد نجح بوصف ملامح المدينة التي كانت قرية لممت التضاريس والجغرافية والازمان، دمج الامكنة في بوتقة تفاعل ابطاله بحيث يتراءى ان الاماكن الخياليّة في الواقع هي حقيقة مسترة في العقول المتأمّلة، فالرواية من روايات اللازمكانية رغم انّها تجمع بين المنحى الكلاسيكي وكتب الإرساء لكنّها سعت لزعزعة المسكوت عنه لقريته او بلده ولو تلميحاً يتخطّى الى عالم اوسع يعيشه الانسان. امسك المحسن لجام الحوار من البدء مستخدماً سرداً مباشرا في معظم اجزاء الرواية لكنّه لم يترك ابطاله في حواراتهم القصيرة مما يعني انه يدير ما يحدث ممتطياً بتداخله السردي على لغة ناضجة ناهضة مدركة خطورة ان ينقل المتلقّي من الخيال الى خيال اخر واكثر ايغالاً وبذكاء اقحم مرجعيته وثقافته الحاضرة في السرد، فهو راوٍ عليم لجدار الموتى بنهايات متداولة وهروبات متكررة، ولعل الراوي العليم الذي هو منْ يستنطق الحيوانات والمخلوقات الاحياء والاموات ليكوّن بانوراما عن طبيعة الموجودات وفطرتها، النسّاي الوباء لم يقضي على فطرتها بل استنطقها برؤية فلسفية لدستوبيا المدينة التي كانت قرية ترسم انسلاخاً عن التقاليد والذهاب نحو التقليد (ص17)، توصيفات غربية لموجودات شرقيّة كعصا الاوكسترا وقطّة السافانا وكلبة الرودفيلر (ص32) وايغال في المثلوجيا وحكايات الاجداد. الثلث الاخير وهو في نصف متنها وفقاً لوتيرة السرد لم يعد للنسّاي موضع واستمر بنقل الحكايات الوليدة واستجواب ما تبقّى من مخلوقات، فثريا النص تشبه الى حد ما المدينة العمياء التي استيقظ اهلها فوجدوا انفسهم عمياناً وتناسلوا وعاشوا ذلك لان المجتمعات الفاسدة يمكنها ان تعيش بدون روح وجمال وتمارس اعتلالاً فكريّاً ممنهجاً ينحو صوب الاجترار المدوّي لجماليّات الكون والطبيعة والانسان ، هكذا حال مدن الدستوبيا ! ص44. النساي قصة عشق وولادات متفردة، تمثل فكرة الاعتزال والانعزال والاغتراب، اغتراب موضوعي مادي وروحي، مغامرات واستكشافات ومساءلة، نص يحتاج النخب او النخب تعوز له كونه يعاكس تنبؤات المتلقي فلا زمان ولا مكان، حوارات بين الملموس والمستشعر بين الحياة والموت، رحلة القراءة الواعية التي طالب بها الكاتب للكشف عن مواضع اللذة في طياته، رغم غرائبيتها وانسلاخها بين الحلم والكابوس رسمت حدود الرواية فحصدت الف عام من العذاب ورسمت بخطوط واضحة صور عديدة عند كل قارئ، النسّاي اشتغال ضخم ونص يستحق المطاردة، لقد قدّم يوسف المحسن عملاً روائيّاً هائلاً لا يمكن ان تسبر اغواره المزاجيّات فهو ويحتاج الى قارئ وناقد حاذق.


الكاتب: نجم الجابري
0المفضلة
41 المشاهدات
0 تعليقات