كأَنْ لا ليل قبله
Jun 22, 2021 10:27 AM Jun 22, 2021 10:27 AM
كانَ يَشعرُ بالوحشة، وَحشةِ من يَمُوتُ الليلة. كأنّ جماعةً من الموتى أو الملائكة ينتَظرونه كي يأخذُوه معهم حيثُ لا رجعة أبداً. مرّاتٍ عدّةً افْلَتَ النومُ منهُ، وظَلَّ قَلبهُ يَحُومُ بأرجاءِ البيت كعُصفورٍ أضَاعَ سَبيلَهُ، ليدخلَ غُرفةً بالمُصادفة. الفِراشُ سَجادةُ أشواكٍ، مُهِّدَتْ بعناية. كُلُّ خُطْوةٍ يَمشيها في الممرّاتِ تستَعجلهُ أيُّ مَسافةٍ تَكفي لردمِ هَذَا الوحشِ وإسكات فحيحِه؟ كانَ يشعرُ بوَحشةِ من يَمُوتُ الليلة، وكانَ الليلُ ثَقيلاً كَسِرٍّ قَدِيم يُلِّحُ بأسئلةٍ لا جَوابَ عليها، بأهوالِ جماعةٍ ينتظرونَ ولا يتكلمون لا يُصدِرونَ ضجةً كأنهم بلا أقدامٍ أو صفات. كأنَ الليلَ مُلْك مِزاجِهِم المُلتبس، ليلَ الوحشة. ومَن يَدري أنَّ لرعبهِ أبواباً لا تُفتَح ومصابيحَ مُهَشَّمة وسكاكينَ غير مرئية؟ مَنْ يَدري أنَّ لألمهِ لُغةً بلا لِسان؟ أو لساناً مُنعقِداً أو مشلولاً؟ من يَدري أنَّ وَحشتَهُ تَتَكرر؟ وتَمتدُّ وتَعلو وتَتَمطى، تمشي داخلَ رأسهِ بينَ قُمْصَانهِ المـُشرَّبة بالرِعدة؛ أنَّ ألوانَهُ تَتَبدلُ والمسافات تَختلِطُ عليه أنَّ الأَسرّةَ تقضُّهُ بأشواكٍ جافّة، أنَّ الليلَ سرُّهُ النّازفُ والنّهارَ رهانُهُ الخسران. ... لا أحد. كانتِ الوَحشةُ مستمرةً وغيرَ نهائية كانت تفتحُ في جسدهِ ثُقُوباً تتأجَّجَ بثُقُوبٍ مُتأجِّجةٍ تُحيلُ الجُدرانَ ألواحَ صَلْبٍ والشّبابيكَ مقاصل. ليلٌ عاطلٌ. كأنْ لا ليلَ قبلهُ كأنَّ ساعاتهِ موصولةٌ بسلسلةٍ من السَّاعاتِ لا تنتهي إلّا في الجَحِيم كأنَّ الجَحِيمَ استضافَهُ الليلةَ باكراً؛ رُبَّما السَّماءُ نَزلَتْ سَاحقةً أو الأرضُ صَعَدتْ تنتفض. وكانَ الفَجْرُ حُلماً يصدأ، كانَ اشتعالُ الحاضرِ بزيتِ ماضيه وثِقابِ أيامِهِ القادمة. كانَ الخِرقةَ التِي يَسدُّ بها فَمَ البُركان. ومن يَدري أن لبركانِهِ آياتٍ فِي الأزقةِ والبُيوت، آياتٍ لا مُرتِّلينَ لها ولا مُنصتين مَنْ يَدري أنَّ سكونَهَ غشّاش؟ وأنّه يَغلي بأماراتٍ مُلغزة: أمارتهُ الفَجْرُ يَدفعُ عنهُ تُهمةَ اللَّيلِ أو النَّهَار أمارتهُ أسمالٌ مُعتَّقةٌ بأشباحِ الغائبينَ ومَصَابيحِهمُ المـُطفأة؛ يدٌ تَرجفُ الحقيقةَ وتتنصلُ منها؛ عينٌ تسكبُ كوابيسَها دفعةً واحدة. ... لا أحد. ومَنْ لَهُ بعدَ كُلِّ ذلك مَنْ للمستوحِشِ في ليلتِهِ الأخيرة غيرُ ملائكةٍ أو موتى ينتظرون.


الكاتب: علي محمود خضير
0المفضلة
33 المشاهدات
0 تعليقات