• مقدمة كتاب الاستعراض (الحوار الأخلاقي في الشبكات)

    هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم للقارئ العربي مترجمًا عن اللغة الإنجليزية، يعالج إشكالية نعتبرها في غاية الأهمية، بعد أن أصبحت الحوارات على الشبكات الاجتماعية نمطًا حياتيًّا نتابعه كل يوم. هذه الحوارات والجدل المتنامي عبر الشبكات وحتى في حياتنا الواقعية، هو ظاهر إيجابية دون شك، ويعد تعزيزًا لمبدأ حرية التعبير، غير أن الإشكالية الكبرى التي تواجه هذه الحوارات المتنامية هو انحرافها في أحيان كثيرةٍ عن الهدف المعرفي أو الأخلاقي، إلى مسارات أخرى قد تكون غير أخلاقية، وربما تلحق الضرر بالمتحاورين أنفسهم شعروا بذلك أم لم يشعروا. وأبرز هذه الانحرافات التي يرصدها أي متابع اليوم لحوارات تويتر أو فيس بوك، هو توظيف الجدل الأخلاقي بطريقة غير أخلاقية، وبمعنى آخر هو استخدام القضايا العادلة والإنسانية لتمرير أهداف أخرى لا علاقة لها بصُلب القضية وأخلاقيتها، بل من أجل تحقيق أهداف وأغراض خاصةٍ جدًا، من أهمها الاستعراض والتباهي أمام الجماهير. إحدى أهم التقنيات التي استخدمتها الشبكات الاجتماعية هي فكرة حصد المتابعين وتجميعهم والتأثير فيهم بتسميتهم أصدقاء كما في الفيس بوك، أو متابعين كما في تويتر وغيرها من الشبكات الأخرى، حتى صار من أولويات المشاركين في الشبكات جمع أكبر عدد ممكن من المتابعين، وكذلك الحصول على قدر أكبر من الانتشار عبر المشاركة أو إعادة التغريد (retweet)، أو الإعجابات يشعر المشارك في الشبكات دون وعي بنشوةٍ كلما استطاع أن يَبرز بشكل ملحوظ أمام المعجبين والمعجبات به، الذين يملؤون صفحته إما بالتعليقات الإيجابية أو بالتفضيل والمشاركة مع الآخرين، وتحت سطوة "وسلطة" هذه المشاعر والتعلق بها وبكيفية المحافظة عليها والازدياد منها يصبح المشارك أسيرا لها ولِلَمعانها وأضوائها التي تحيطه بها، حتى يصبح الانفكاك منها عسيرًا، فضلا عن معارضتها أو تقديم فكر أو رأي يخالف ما تريده الجماهير المتعطشة للرّدح المستمر! هذا الكتاب بين أيدينا يتعرّض بشكل جوهري لما يقوم به بعض المتحاورين والذين نعتقد أنهم في كثرة وازدياد من أعمال غير أخلاقية، حين تبنون قضايا سياسية عادلة أو أخلاقية بامتياز؛ ولكنهم يعبِّرون في دفاعهم عنها بطرق لا تخلو من استعراض ورغبة في البروز، وكسر الخصم وقهره والتندّر به والحط من قدره؛ من أجل إرضاء ذواتهم وإرضاء الجماهير المتابعة لهم، فيما يسميه المؤلفان: "تسويق الذات" (1) والمؤلفان من المعنيين جدًا بتمظهرات الحوار الأخلاقي في المجال العام وتجلياته المختلفة، ويقدمان هنا دراسة وافية لأبرز مشكلات الاستعراض، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن المترجمة القديرة الأستاذة: بثينة الإبراهيم قد اختارت الاستعراض ترجمة لمصطلح (Grandstanding) بعد استشارات عديدة، وعدة مقارنات مع أكثر من مقابِل عربي مثل (التباهي) أو (الإبهار) أو (الإدهاش)، وأعتقد أنها وُفّقت كثيرا في اختيار اللفظ الأقرب للمفهوم المقصود من كلام المؤلفين! الاستعراض كما يراه المؤلفان ببساطة متناهية: توظيف النقاش الأخلاقي لتسويق الذات، فتصبح الأخلاق والدفاع عنها وعن قضاياها جسر عبور للشهرة والانتشار الواسع، وحصد المزيد من الإعجابات وتصفيق الجماهير، ولو كان ذلك في كثير من الأحيان على حساب نوعية الخطاب المستخدم في الدفاع عن القضايا الأخلاقية، الذي لا يخلو من تنمر وتسلط وهجوم شرس واتهام سياسي واستدعاء للسلطة..إلخ، ويضعان معادلة بسيطة توضح مم يتكون الاستعراض الأخلاقي حيث الاستعراض = الرغبة في التقدير+ التعبير عن الاستعراض. يتساءل المؤلفان: ما المشكلة في حديثنا دفاعًا عن الأخلاق في الشبكات الاجتماعية؟ وهل يعد ذلك مخالفةً أخلاقيةً أو أمرًا قبيحًا؟ ويجيبان بأن المشكلة ليست في الحديث الأخلاقي نفسه، بل في الطرق غير الناجعة المستخدمة في كثير من الحوارات الأخلاقية على الشبكات، ويحاجج المؤلفان بطرق متنوعة لإبراز المشكلات التي يتركها الاستعراض بالحديث عن الفضيلة في الفضاء العام، ويَريَان أن الكثيرين للأسف، يستخدمون الحوار الأخلاقي بلا مسؤولية، فهم يوظفونه لإهانة الناس الذين يكرهونهم، وترهيبهم وتهديدهم، وإثارة إعجاب أصدقائهم، والظهور بمظهر الأخيار، وجعل الناس أقل شكًا في سوء سلوكهم، ويقدمان مقاربات مهمة بين الاستعراض والكذب والاستعراض الواعي وغير الواعي. يعدد المؤلفان مجموعة من الأضرار التي يُوصل إليها الاستعراض على المستوى الفردي والاجتماعي، ويأتي في مقدمتها الاصطفاف والتكثيف والتنحية والاستقطاب والثقة المفرطة بالآراء والسخرية وتقليل احترام الغير والغضب الموجّه بالاستعراض واستنزاف الحنق، إلى أن نصلَ إلى عزوف المعتدلين عن الحوار والمشاركة خوفًا مما قد ينتظرهم من هذا البلاء الموكل بالاستعراض. وهنا يجب أن أشير إلى نقطة في غاية الأهمية للتعامل مع الكتاب، وهي أنه ينبغي علينا كقراء أن نبحث عن أخطائنا نحن ضمن الإشارات والإشكالات التي يعالجها الكتاب، لا أن نرى غيرنا في هذه الإشكالات، ذلك لأن ما يعرضه الكتاب محفز لاستحضار صورٍ كثيرة مرت علينا للاستعراض والمستعرضين في الشبكات، فننسى أن نقيّم أنفسنا نحن قبل أن نقيّم الآخرين، وهو أمر شائع حتى في غير هذه المعالجة ولكن يبدو لي أنه هنا أكثر وضوحًا، لأنك ستتذكر صورًا صارخة من الاستعراض مرت عليك في خضم الحوارات التي تشاهدها في الشبكات. بقي أن أشير إلى أن الكتاب في كثير من أمثلته عالج بعض تداعيات الأحداث السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد بذلت المترجمة جهدًا مشكورًا في إعطاء فكرة عنها، ولكن ذلك لا يعني أن المشكلة ليست إلا في أمريكا، فحوارات كثيرة نراها في مجتمعاتنا العربية يظهر فيها الاستعراض بشكل صارخ، ولعل الأحداث الأخيرة في فلسطين (2) وما صاحبها من حوارات نارية في تويتر، كانت مساحة مناسبةً استعرض بعض المعنيين بالقضية الفلسطينية شيئا من السلوكيات غير الأخلاقية في حواراتهم، ورغم أنها قضية إنسانية عادلة دون أدنى شك، ولكن بلا شك كذلك هناك من حاول أن يعبّر عن ظهوره وبروزه باستخدام عدالة القضية على حساب تنمر وهجوم وتقليل احترام الآخرين الذين قد يكون بعضهم على نفس رأيه، ولكنهم يعبرون بطريقة تختلف جذريا عن طريقته، غير أن الاستعراض يريد منه أن يكون هو الاسم الأبرز في هذه المساحة، مع الحشود التي تجري وراءه في ردهات تويتر ليواصل تصعيده وسخريته من الآخرين باستثناء نفسه وفريقه الذي يصفق له! ستجد الاستعراض كذلك عند بعض من يعتقدون أنهم وطنيون أكثر من غيرهم، وأنهم هم صوت الوطن في أوطانهم ولأجل أن يظهروا بهذه الصورة التي تعزز تقديرهم لذواتهم وإحساسهم بالتفرد الوطني، ولفت انتباه الآخرين لهم، أو التستر على ماض غير جيد لهم، لا يألون جهدا في مهاجمة كل ما لا يروق لهم متمترسين باسم الوطن والوطنية، ورغم أن الأوطان وأمنها وسلامتها قضية ذات أولوية قصوى، ولكن الطرق التي يسلكونها لا يراد منها الوطن بالدرجة الأولى بل تعزيز حضورهم الجماهيري وبروزهم المستمر في هذه القضية. ويمكننا أن نلحظ ذلك كذلك في نقاشات الهُوية والحفاظ عليها، فبعض المهتمين -مثلا- بالحفاظ على اللغة العربية ونحوها وصرفها وسلامة كتابتها وتداولها، ستجد عند بعضهم هذا الاستعراض المقيت، الذي عادة لا يراد منه حماية اللغة وتمكينها بقدر ما يود الواحد منهم الظهور بمظهر حامي حمى اللغة وأسد عرينها الهزبر الذي لا يقهر!، ولأجل همزة سقطت أو كلمة ندّت عن سياقها يجيزون لأنفسهم الهجوم على من سوّلت له نفسه هذا الخطأ دون تورع!، فإذا قارنت بين الخطأ وبين ردة الفعل تجد هوة كبيرة لا يفسرها إلا رغبة المهاجم في الاستعراض والتباهي! يشير المؤلفان إلى دافع خفي وخطير للاستعراض يكمن في محاولة المستعرض على الشبكات التغطية على سلوكيات سيئة سابقة له ويضرب مثالا بالمتحمسين من الرجال في القضايا النسوية إذ يقولان: إن الاستعراض أكثر قيمة باعتباره أداة للتلاعب، أكثر من كونه إشارة لاستحقاق المستعرض للثقة، ويحيلون إلى حالات لأنصار النسوية المستعرضين الذين تبين لاحقًا أنهم متحرشون ومعتدون جنسيون، فقد يستخدم ذاك الاستعراض ليكون غطاء للسلوك السيء، وقد يفسر لنا هذا بعضا من الاستعراض والاندفاع عند من يكتبون بلغة متنمرة في القضايا النسوية، وبشكل لافت للنظر، وهو أمر سبق أن تعرضت له في كتابات سابقة! إننا فعلا محاصرون بالاستعراض وقد ننزلق فيه دون أن نشعر، ونصيب غيرنا ممن نتحاور معهم بأضرار جسيمة لم نكن نحسب لها حسابا، إذ قد تطال نفسياتهم وأوضاعهم الاجتماعية والوظيفية والأمنية! ولو عدنا بالذاكرة للوراء قليلا مع قصيدة "الشاعر: حيدرالعبدالله" التي ألقاها في محفل ملكي، والهجوم الشرس المتنوع الذي تعرض له الشاعر في الشبكات والتنمر من سب وشتم وانتقاص وسخرية، لوجدنا أن بعضا من هذا الهجوم كان مجرد استعراض بعضه اتخذ دثار الوطنية غطاء له بحجة أن هذه القصيدة لا تليق بالوطن، ولا بشخص الممدوح، وبعضها بحجة الغيرة على الشعر العربي واللغة والفصاحة، وكانت هناك للأسف مشاركات من شخصيات معروفة لها حضورها الاجتماعي والثقافي، بل حتى أولئك الذين حاولوا أن يقفوا مع الشاعر ونصه الشعري نالهم شيء من التنمر السياسي أو النقدي أو المذهبي!(3) لقد تجاوز الشاعر الأزمة التي مرّت ولكنها تتكرر بصور مختلفة يكون كل شخص فيها تحت طائلة التهديد، إذ قد يتعرض هو الآخر لحفلة شواء مثل حفلة "سُكنانا"(4)، ويصدق فعلا قول المؤلفان هنا: الكل يُتوقع مثوله أمام محكمة التفتيش على الفيس بوك و"تويتر"! أخيرا.. إن كثيرين منا لهم مبادئهم الأخلاقية التي قد نلتقي معهم فيها، ولكن يجب أن نفصِل قدر المستطاع بين ذواتنا ورغباتها الخفية، وبين القضايا التي ننافح من أجلها، لأجل هذه القضايا وعدم تشويهها وتزهيد الناس فيها، لكثرة ما نمارسه بوعي ودون وعي من استعراض فج، يشعر فيه بعضنا أن ذاته والقضية شيئًا واحداً، لذلك هو مستعد في أي لحظة أن ينفجر في وجوه الناس الذين يكرههم أو يختلف معهم ويتخذ القضية الأخلاقية ذريعة لهذا الانفجار البشع! إن قضايانا الأخلاقية تتضرر من هذا الإلحاح الفج عليها، وإقحامها بمناسبة ودون مناسبة في كل حوار، حتى تحوّل بعضنا إلى متحدثين رسميين دون توكيل عن هذه القضايا، واستنزفنا كما يقول المؤلفان الغضب والحنق وصرفناه بكميات دون جدوى، مع أنه يمكن استثماره لقضايا حقيقية هي أكثر صدقًا وأجدى نفعًا! ما دورنا بعد ذلك في ضبط الشبكات الاجتماعية وإعادتها لوضعٍ بيئيٍّ صحي، يسمح بمشاركة الجميع والمعتدلين على وجه الخصوص الذين بدؤوا يهجرون الحوار في الفضاء العام حسب إفادة الكتاب. قدم المؤلفان خارطة طريق حول هذه الفكرة، ولكنني أعتقد أن المسؤولية الفردية تجاه هذه القضية، وعناية كل شخص فينا بنفسه ومشاركته وتعهدها بالسؤال الدائم عن سبب المشاركة والدفاع: هل هو القضية الأخلاقية العادلة حقًا، أم الرغبة المكبوتة التي تتخذ ذرائع شتّى لظهورها، يمكن بتنمية هذا الوعي أن نحرز تقدمًا، وأعتقد أن هذا الكتاب وتقديمه للقارئ العربي هو خطوة جادة في هذا الاتجاه. ـــــــــــــــــ (1) يمكن الاطلاع على مقالنا المنشور على منصة معنى تحت عنوان: (تقديم الذات في الشبكات الاجتماعية) حيث يعالج فكرة تسويق الذات وغيرها من الأفكار المتعلقة بكيفية تقديم المشاركين في الشكبات لأنفسهم، تجده على الرابط التالي: https://mana.net/self-in-twitter (2) أحداث حي الشيخ جرّاح واغتصابه من قبل المستعمرين الإسرائيليين وما لحقها من تداعيات وقصف جوي من إسرائيل لقطاع غزة. (3) يمكن استعراض القصيدة على اليوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=WeSlk15w1gY (4) سُكنانا كانت إحدى قوافي القصيدة التي استخدمت بكثرة في الهجوم على الشاعر حتى اشتهر وعرف بها حدّ أنه سجلها كعلامة تجارية رسميا، وقد استأذنته مشكورا في الاستشهاد بالقصة في هذه المقدمة، وقد عشت معه حينها تفاصيل التجربة القاسية.

    الكاتب: عبدالله السفياني

    2المفضلة

    893 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #فلسفة #أخلاق #حوار 

التعليقات (0)

المزيد من عبدالله السفياني

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مقدمة كتاب الاستعراض (الحوار الأخلاقي في الشبكات)

    المزيد من عبدالله السفياني

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة