بلا عنوان...
Jul 27, 2021 05:08 PM Jul 27, 2021 05:08 PM
يوم ليس كالأيام، شيء غريب يحدث من حوله، يستطرد بالاستغفار والتسبيح.. بلا جدوى، لا بد أن الأمر حقيقي وليس خيالا. اقترب أكثر، تراجع، ثم عاد ليتقدم بحذر نحو أرضه، فرك عينيه لعله يميز بين الحلم والواقع، هو جراد بكل تأكيد لكنه يشبه البشر. حاول عبور رتل الجراد المنتشر في المكان ليصل إلى أشجار زيتون شامخة ما تزال ترث المكان وتجود بظلالها الوارفة على ذاكرته العليلة، وأدواح الرمان الباسقة، ليتسلل بين فروعها، ويقطف ما تدلى من فاكهتها الحلوة. لقد حان موعد جني الثمار. قال في نفسه. في لحظة خاطفة وجد نفسه مرميا خارج حدود أرضه، تأكد أنه جراد ليس كالجراد. لم يكد يصدق الأمر، خيل له أنه يهدي؛ كيف لحشرة تافهة أن تحتل حقله وتقذف به عاليا في السماء. ظل بجانب كوخه الصغير يتأمل بعينين حزينتين، بائستين وكئيبتين، ما يحدث أمامه، لم يستوعب الأمر، يراقبهم وهم يحفرون الأخاديد ويقيمون المتاريس، يبنون أبراج مراقبة كأنهم يستعدون لحرب مع البشر. يعملون في نظام غريب، لا أحد منهم يزيغ عن هدف الجماعة، الكل في مكانه ينجز المطلوب منه بدقة قل وجودها بين البشر. بدؤوا يزحفون نحو هضبة قاحلة، هي كل ما تبقى له، خلع بُردته وخبأها تحت الشجر، انتفض وتوجه إلى إخوته الأشقاء مستنجدا، يحكي لهم حكايته العجيبة، يخبرهم بما وقع لأرضه، ويحذرهم من خطر داهم. طرق أبوابهم جميعا، من أصغرهم حتى أكبرهم، استقبلوه بمحبة ظاهرة وحقد ضامر، هادنوه حتى ذهب ثم تناجوا فيما بينهم: هو مجنون.. فقد عقله... إنه قادم.. سيأتي على حقولكم لا محالة. خطب فيهم. لم يهتم بقوله أحد منهم. صرخ بحجم السماء: جراد لكنه يشبه البشر، ليس كمثله شيء، يحتل الحقول ولا يرحل، يقيم الأبنية والمعابد، يفتتح الأسواق والملاهي، يفعل مثلنا لكنه مختلف... ترسخ في عقولهم أنه يهدي، أمروه بإحضار البُردة رمز قوتهم الزائلة وعزتهم الهاربة، هي كل ما تبقى لهم من أمجاد زمنهم الجميل. ظل لواحد وعشرين يوما يسعى بين إخوانه وأرضه المفقودة حتى لم تعد منها أية قطعة باقية. وقف على صخرة يتطلع إلى كبير الجراد واقفا على سطح كوخه مرتديا البُردة، شامخا في الأعال، توجه نحوه أملا في استرداد بردة أسلافه، خفق قلبه ورفرفت روحه بعدما طار بعيدا في السماء. لا بد لها أن تعود. قالها في نفسه. جمع ما توفر له من مؤونة وحزم ما خف من متاعه وقرر الترافع عن قضيته... لم يجد بشرا أمامهم يترافع، هناك سيارات تمر من حوله يقودها جراد مختلف شكله ولونه، المتاجر أيضا فيها جراد.. الجراد في كل مكان... على أبواب المحكمة حراس شداد غلاظ من الجراد، أوقفوه حتى تأكدوا من هويته، ثم تركوه. لا خوف منه أنه من بقايا البشر. قال أحدهم. دلف إلى بهو المحكمة، فوجد قضاة من صنف الجراد الفخم، فرك عينيه وعض على يده فشعر بالألم، تأكد أنه لا يحلم... غريب أمر هذا الجراد. همس للسماء. تأمل الحضور؛ في الصفوف الأولى أرقى طبقة الجراد ثم الأدنى فالأدنى، لا وجود للبشر، حتى هناك في أخير الصفوف، لا يوجد بشر. توجه إلى قاضي المحكمة العظيم وكان ذكر جراد أصفر، أنيق ببذلة سوداء، أخرج من محفظة أجداده الجلدية رسوما قديمة لبردته يرتديها أحد أجداده، وضعها أمام قضاة الجراد العظماء وأشار بيده إلى أحد الرسوم وقال بصوت رقيق لعل قاضي الجراد يفهم لغته البشرية: - أنظر هنا سيدي.. هذا جدي وهذا جد جدي.. لا وجود لجدكم المغتصب في أي مكان هنا... قاطعه: نحن في مملكة الجراد لا نقبل الإهانات.. نحن لا نغتصب الحقوق.. عدالتنا فاقت عدالتكم.. سأمنعك من متابعة الجلسة إذ تكرر هذا القول. تفاجأ بلغة القاضي البشرية، فتمتم بأنصاف كلمات لم يسمعها أحد: - لعلكم بشر متحول إلى جراد، أو جنس هجين تخلص من عبثية البشر... وضع القاضي الأكبر الأوراق جانبا وأخرج من جيب بذلته السوداء قصاصة من أحد الجرائد، يصدرها مثقفو الجراد، وقرأ: - دفن جدنا هنا... ثم تطلع إليه مليا وأضاف: - البُردة لمن يحوز الأرض.. هذا قانوننا نحن الجراد. هم الجميع بالانصراف، حاول أن يخبرهم بأن المغتصب ليس منهم، هو نصف بشر ونصف جراد ولا ينطبق عليه حكم الجراد، بل يجب أن يكون الحكم نصفين، أحد ينطقه البشر وأخر ينطقه الجراد، لم يلتفت إليه أحد. جمع أوراقه وغادر حجرة المحكمة بهدوء، انهمرت الدموع من عينيه في صمت وتدحرجت بسلاسة فوق خديه واختلطت بخطواته الثابتة وهو يخترق حشود الجراد المتأنقة كالبشر. توجه حيث لا يدري، يتنقل من حارة إلى حارة ومن شارع إلى شارع ومن زقاق إلى زقاق، يبحث عن بقية البشر بين أسراب الجراد لكنه لم يجد أي أحد، الجراد سيطر على الأرض والسماء والجو.. لقد انقرض البشر. - ربما أنا أخر البشر. تمتم. فرد الليل أجنحته وهو على هذه الحال، لم يجد مجثما يجثم فيه، فتراءى له من بعيد ثقب في أحد الحيطان المنسية، ينبعث منه نور خافت، توجه إليه مستفسرا وطامعا في مكان يأويه. دخل عبره بحذر فرمق من بعيد مجموعة من البشر مجتمعين حول نار موقدة، لم يصدق نفسه، لم تكد تتسع الدنيا لفرحته.. أخيرا وجد بعض البشر، استمر في السير يسعى نحوهم لعله يعثر عندهم على ما يسد به رمق جوعه ويحكي لهم حكايته الغريبة لعلهم يصدقونه ويرشدوه إلى بقية البشر. اقترب منهم أكثر، بدت له ملامحهم مألوفة لكنه تريث إلى أن وقف على مجمعهم. تفحصهم في صمت مهيب، من اليمين إلى اليسار، من الأول حتى الحادي والعشرين، ثم صعد فوق جدار قصير متداع أقيم حول المكان وتطلع إلى أشقائه المشردين وسط مقبرة مهجورة، هي أخر مقبرة للبشر، قفز من جديد فوق الأرض وبدأ يتجول بين القبور ويصدح ملئ حنجرته على مقربة من جماجمهم المطمورة تحت التراب: يا أهل القبور قوموا لقد مات كل البشر.


الكاتب: أحمد العكيدي
0المفضلة
35 المشاهدات
0 تعليقات