• فقه الاختلاف و فقه التعامل

    فقه الاختلاف وفقه التعامل إنّ الإسلام علَّمنا المنهج الذي يقوم به الأفراد فما من فردٍ مهما بلغ من موازين الدنيا إلا وهو معروض على ميزان التقوى ، وصلاح العمل ، وحُسن النيـِّة والتجرُّد إلى الله ، والبُعد عن مواطن الرِيبة والظن ، لأنّ الأشخاص كما يقول الأستاذ عمر عبيد رئيس تحرير مجلة الأُمة السابق : " يُقاسون بالمنهج الإسلامي ، والقِيم الإسلامية ، ولا يُقاس الإسلام بهم مهما علا شأنهم ، والذي يمثل محلّ الأُسوة والقدوة بالنسبة للمسلم هو المعصوم عليه الصلاة والسلام " . وكل البشر يخطئ ويصيب ، ويُؤخذ من كلامه ويُردّ ، إلا المعصوم - صلّى الله عليه وسلّم - وهذا في نظرنا يُشكِّل الضمانة الأكيدة لسلامة العمل واستمراره وسداده ، ذلك أنّ المشكلة في التصوير الإسلامي الآن كما يبدو أننا قد نصل في تقديس الأشخاص إلى مرحلة العصمة عن الخطأ إلى مرحلة الملائكة ، فإذا تكشّف لنا شيء من الخطأ - وهذا أمر طبيعي - فكل ابن آدم خطّاء ، أنـزلناه إلى منـزلة الشياطين - لذلك يقتصر التعامل في نظرنا - إما مع ملائكة لا تخطئ أو مع شياطين جُبلت على الخطأ والخطيئة !! ، أما التعامل مع البشر الذي يخطئ ويصيب ، والقدرة على إبصار الصواب والخطأ ، وإعطاء كل أمر ما يستحقه وعدم بخس الناس أشياءهم ، فهذا لا يزال غائباً عن حياة بعض مسلمي اليوم والله تعالى يحذِّرنا ويقول : ( وَيْلٌ للمُطَفِفين ) وبعضنا يظن أن التطفيف إنّما يكون في الميزان والكيل فقط ! . إنّ القِيم معصومة والأشخاص والأغراض زائلة ، والبشر خطّاءون ، قد تسقطهم أخطاؤهم وقد يسقطهم أعداء الإسلام بوسائلهم الماكرة التي تتوجه أول ما تتوجه إلى دعاة الإسلام - لتحطيمهم بإساءة سمعتهم أو اتهامهم أو تلفيق الأكاذيب حولهم - وقد تستطيع احتواء بعضهم وتوظيفه لسبب آخر من رغبة أو رهبة ، ولإعجابي بتحليل الأستاذ عمر عبيد لهذه الظواهر في حياتنا أنقل عنه أيضاً قوله : " لا يجوز بحال أن تنقلب الوسائل إلى غايات أو تتلبس الوسائل بالغايات فيصبح شعارنا خطأ الشيخ خيرُ من صواب المُريد ، وتسود مناخنا الثقافي الإسلامي مفهومات مغلوطة توقف عملية المناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي صانت الرسالة الإسلامية والأُمّة الإسلامية في تاريخها الطويل من الانحراف ، وحملتها على الولاء للمنهج وعدم التحريف ، والشذوذ الجماعي ، والعثرات المردية على طريقها الطويل ، وحفظت القادة والزعماء ، والدعاة والمفكرين والعلماء من الافتتان بالرأي ، والإعجاب بالنفس ، والانـزلاق بالخطأ ، كما حفظت الأُمة أن تقع فريسة لشذوذ أو تطرُّف أو غُلوٍ ، أو تعثُّر أو تمزُّق " . إنّنا في حاجة أن نفرِّق بين الأشخاص والأفكار ، وفي حاجة إلى إحسان التعامل مع بعضنا ومع المجتمعات الأخرى ولو كانت بعيدة عن الإسلام ، كما أننا بحاجة إلى امتلاك قدر كبير من المرونة والرفق ومعرفة فقه التعامل ، وهذا الرفق أدب يخبرنا المعصوم عليه الصلاة والسلام أنّه ما كان في شيء إلا زانه ، وما نُـزع من شيء إلا شانه ، والله يحبُّ الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على سواه ، فأين الرفق في سلوكنا ونحن نقرأ ونُعلِّم صغارنا أدب الرفق وأهميته . إنّ أعداءنا يوظفوننا أحياناً في القضاء على بعضنا وتدمير علمائنا ومشايخنا ، وتسفيه آرائنا وتعظيم خلافاتنا . إنّ أدب الاختلاف يقتضي أن نتمسك بصفاته - صلَّى الله عليه وسلَّم - في رفقه وحلمه ، ويُسره وأدبه ، وبساطته وتواضعه ، وابتعاده عن الفظاظة في القول ، والجلافة في الفعل وجارح الكلام وسوء القول ، إننا في حاجة أن نفقه أدب الاختلاف ، وتقبُّل الآخر ، والاعتراف للآخرين بحقهم في الاجتهاد والنظر ، والقبول والرفض ، و الصواب والخطأ ، كما نحتاج من علمائنا ومشايخنا أن يكونوا قدوة لنا وأن يعلِّمونا كما كان الإمام مالك - رحمه الله - يُعلِّم تلاميذه وأتباعه فيقول : " إنّما أنا بشر أُخطئ وأُصيب ، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وما خالف فاتركوه ، إنّ هذا العلم دين فانظروا مَن تأخذوه منه " وكذلك كان الإمام أبو حنيفة فقد قيل له : " هذا الذي تُفتينا الصواب بعينه ، قال : ما أدري عسى أن يكون الخطأ بعينه " .

    الكاتب: عباس محجوب محمود

    0المفضلة

    5 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من عباس محجوب محمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • فقه الاختلاف و فقه التعامل