• المثقفون و أوهام التخصص الدقيق

    المثقفون ...وأوهام التخصّص الدّقيق تمنح الثقافة للإنسان أملا متجددا في الحياة ليصل في النهاية إلى وقع أفضل ،وحياة أحسن،ومستقبل أرقى وأفضل،والثقافة هي التي تهون مصاعب الحياة وتجعل لتدافع الإنسان في الحياة وكفاحه وطموحاته فيها طعما ومعنى وهدفا ،بها يجد الإنسان في نفسه القدرة علىقهر المستحيل،وبها يرتاد الإنسان الفضاء ،ويخاطب الأفلاك، ويلمس النجوم، ويغوص في أعماق المحيطات،ومجاهل الغابات،وهي كذلك وسيلة الإنسان للتعبير عن حزنه وفرحه،مدحه ورثائه ،حلمه وغضبه ،سره وعلنه . وعلنه..........وإذا كانت الثقافة كلك للإنسان؛فهي للأمم دعوة للحياة،وتطلع للأفضل،واستشراف للمستقبل. الثقافة التي نمارسها في أيامنا هذهغير ذلك فهي ثقافة "السندتشات"والشطائر والوجبات السريعة فحلت المرئيات المعصرة مكان الكتاب-الذي لابديل له للعلم والثقافة-وحلت المجلات الرياضية والفنية مكان المجلات العلمية والثقافية والأدبية،وانعكست طرائق الحياة،ووسائل المعرفة المتدنية على كثير من المتعلمين،ومن يفترض فيهم الثقافة،وعلى شكل الثقافة نفسها؛الأمر الذي ابرز عددا من الظواهر المرضية الخطيرة على مستقبل العقل العربي والثقافة العربية،وعلى رأس هذه الظواهر ظاهرة التخصص الدقيق. التخصص الدقيق هو المرض الذي أصبح ظاهرة للإرتزاق الثقافي،وسلاحا يحد من حرية الثقافة،وإنسانية المعرفة،هذا المرض ليس أصيلا في ثقافتنا بل هو دخيل مستورد قصد من استيراده تخريب العقل العربي وحصره في زاوية ضيقة جزئية هامشية لاتخدم الثقافة بل تقتلها..وقديما كان العرب يربطون بين مفهوم الثقافة ومفهوم الأدب فعرفوه بأنه "الأخذ من كل شيئ بطرف " لأن الخذ من كل شيئ بطرف يجعل المرء قادرا على ممارسة الثقافة،ومعيشة الفكر الإنساني فهو ملم بشيئ من كل علم وفنىتحدث بعلم ،ويناقش بمعرفة مايثار من نظريات وأفكار ،يناقش في الآراء ،ويخبر عن التا ريخ ويربط حركته بالمجتمع،كل ذلك لأنه أخذ من كل علم القدر الذي يشترك فيه اصحاب الثقافة والمعرفة،ومثل هذا المثقف يتسم بسماحة الحديث،وسلامة اللغة والفكر،وسرعة البديهةمع الروح المرحة والنكتة الحاضرةكما يكون مأنوس الحديث ،سلس الكلام،مسحب المجلس،يروي النادرة،ويضرب الأمثال،لايخلو من سرد القصص والحكايات بل والملاحم. أما هذا المرض الجديد "التخصص الدقيق"فقد أصبح شماعة الأميين ،وملاذ المتقوقعين فما يذكر أحد بأخطائه الفاحشة،وجهله المخجل في اللغة التي تمثل هويته وتاريخه ،وتراثه؛إلا وتعلل بأنه ليس متخصصا في اللغة مع أن الإنجليز لديهم مقولة مشهورة ترجمتها "أن كل مدرس لابد أن يكون مدرسا للغته"اولا ثم يتحدث الناس في السياسة والأدب والاجتماع والاقتصاد والتربية ومشكلات الحياة وقضايا الوجود؛فإذا به يحتمي بحصن التخصص الذي لايمنع المرء من الارتباط بالمعارف العامة في مجال العلوم النظرية والتطبيقية،فالحياة المعاصرة لايعيشها جاهل بعلوم الكون والطبيعة والآداب والفنون،والاقتصاد والسياسة،والاجتماع وعلوم الأرض والبيئة في الحدود العامة؛لأنها مفروضة على حياتنا،تؤثرفينا وتتأثر بنا،وتوجه مسيرتنا بالإضافة الى اهمية المعرفة بالجوانب الطبية التي تحفظ حياتنا في صورتها من الغذاء والوقايةوغير ذلك. وهم التخصص الدقيق حرم مجتمعاتنامن الاستفادة من أناس كثيرين لايحملون شهادات علمية رفيعة ولكنهم مثقلون بعلوم الحياة ،وتجاربها ،وخبراتها ويحملون ثقافات متنوعة زأفكار بناءة،ولبعضهم في مجتمعاتهم تأثير وانتاج ،وانجازات كبيرة يعجز عن مثلها أصحاب التخصصات الدقيقة،والمؤهلات الورقية. ليست هذه دعوة لمحاربة التخصص،ولكنها دعوة لمحاربة الانغلاق والتقوقع باسم التخصص،فالتخصص سمة هذا العصر،ومظهر التفوق والتقدم فيه،ولكنه ليس مرادفا للتصومع العلمي,والعزلة الاجتماعية؛فالرموز العلمية في تاريخ العرب والمسلمين من أمثال "الخليل بن احمد،والجاحظ ،وابن الهيثم ،والغزالي نوابن سينا وغيرهم كثير وكثير ومن المعاصرين أمثال العقاد ،وطه حسين ،والرافعي وسيدقطبوغيرهم ممن كتبوا في العلوم والمعارف الإنسانية كتابة المتخصصين وكانوا روّاد الثقافة والفكر, على مستوى البشرية وليس على مستوى العرب والمسلمين وحدهم. وقد ترتب على مرض التخصص الدقيق أن جوانب من العلم وعددا من العلماء أصبحوا يغفلون اهمية الثقافة في تطور الإنسان وتنميته ،وهذه الظاهرة واضحة عند بعض علماء الاقتصاد الذين يتحدثون عن العوامل التي تساعد على التنمية؛فيركزون على التصنيع والانتاج،وتدريب القوى العاملة الفنية بالتكنولوجيا الحديثة وغير ذلك من الوسائل المادية الافتراضية التي تهمل عامل الثقافة في تطوير الإنسان وتقدمه وقدرته على التعامل المتكافئ مع معطيات الحضارة المادية؛فالثقافة هي التي توسع طاقات الإنسان الذهنية والنفسية،وهي التي تغني وتقوي طاقاته البدنية والجمالية’وهي التي تعطيه وسائل التغيير المادي والمعنوي لواقعه ليرتفع إلى واقع الإنسان الذي يحسن التصرف ويفكر في الاحتمالات ويتحسب للمفاجآت،ويكون بفضل الثقافة كما يجب له أن يكون لاكما هو كائن.

    الكاتب: عباس محجوب محمود

    0المفضلة

    29 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من عباس محجوب محمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • المثقفون و أوهام التخصص الدقيق