الفضل لتعليم الخلاوى
Aug 8, 2021 09:52 AM Aug 8, 2021 09:52 AM
والفضل لتعليم الخلاوى تطورت مناهج التعليم وأساليبه وتكاليفه خلال السنوات الماضية في معظم البلاد العربية ، غير أنَّ المحتوى الدراسي ومضمون المادة ، وحظّ المتعلِّم منها لم يكن مواكباً لهذا التطور ، لأنّه كان في كثير من أساليبه وطُرقه على حساب الكم العلمي ، وطرق الإجادة والإتقان والاستمرار ، وقد كان الكثير من أبناء جيلنا على اختلاف بلادهم وأعمارهم قد بدأوا حياتهم الدراسية في الخلوة ، فأغلب الأطفال كان يجدون أنفسهم في سنٍ مبكرة يجلسون في حلقات القرآن يحفظون القرآن ، ويتعلَّمون مختلف المهارات التي يقدِّمها هذا النوع من التعليم ، الذي فزع منه المحتلون وحاربوه بشتى الوسائل ، وقد أدى ذلك الخوف إلى تجنُّب إثراء مَلَكة الحفظ في المناهج الحديثة . كانت أيام العمر تتقدّم بدرجةٍ أقلّ من التقدُّم الذي يحظى به الطفل في محصول الحفظ من القرآن الكريم ، بدليل أنَّ الكثيرين كانوا يحفظون القرآن في التاسعة أو العاشرة من أعمارهم ، ولمـَّا كانت سياسة التعليم في عهود الاحتلال الأجنبي عدم استيعاب المدارس لأعداد كبيرة من الطلاب المؤهلين للدراسة سِناً حسب سياستهم في تجهيل الشعوب وتخلُّفها ، فإنّ الطالب كان يجد الفرصة في المدرسة في السابعة أو الثامنة أو أكثر من ذلك إنْ كان قليل الحجم ، ولم يكن تعامل الناس كثيراً بشهادات الميلاد الأصلية لأنّ شهادات التسنين كانت تحقق لهم الأعمار التي تتطلبها المدارس . ولو تطور نظام التعليم في الخلاوى تطوراً ذاتياً حسب تطور الحياة الحضارية ومناهج التعليم الحديثة لكان في ذلك خير كثير ، وكان أفضل من نظام التعليم الذي اقتبسه المحتل الأجنبي من بلاده ليُطبِّقه في بلادنا بما يخدم سياسته ومخططاته في إيجاد موظفين يؤدون الوظائف الحكومية الروتينية ، ويُمجِّدون لغتهم ويملئون المناهج بتاريخهم وأنماط حياة عظمائهم ، حتى ينشأ الجيل وقد اقتنع كما اقتنع الكثيرون ، بأنَّ الحياة الأجنبية بأنماط سلوكها وتفكيرها ، وتاريخها ، أفضل من حياتنا وطرق تفكيرنا ومعتقداتنا ، قد ترتَّب على التقليل من شأن حفظ القرآن في مرحلة الطفولة هبوط مستوى الأجيال الحديثة في محصولهم اللغوي ، وقدرتهم في تقويم ألسنتهم ومخارج الحروف ، والقدرة على التلاوة من المصحف . لم يكن تعليم الخلوة تعليماً نظرياً يعتمد على تحفيظ كتاب الله وتجويده ، بل كان تعليماً وظيفياً يربط التلاميذ بواقع حياتهم ، ويُوظِّف لهم معطيات بيئاتهم ، فالطفل اليوم يذهب إلى المكتبة لشراء الأقلام والكراسات ، والوسائل الجاهزة التي تقتل فيه روح الابتكار والإبداع ولا يستكشف مواهبه وقدراته ، وأحياناً يقوم الآباء والأمهات بتجهيز الوسائل لأبنائهم ، أمّا طفل الخلوة فكان يتعلَّم الإملاء وتجويد الخط ، ثم يُدرَّب على صناعة المادة التي يكتب بها ، إذ يجمع "السَكَن " المادة السوداء من المحروقات في الأواني والقُدُور ، ثم يمزجها بالماء والصمغ ويزاوج بينها ليحصل على حبر أسود جميل من صُنع يده وبيئته ، ولأنّه بحاجة إلى قلم فهو يصنعه من القصب أو الخُوص ويقوم "ببريِهِ " وتجهيزه بالموس بطريقة واتجاه معين ، يساعده على إحسان الكتابة والخط ، وهو لا يستعمل " الكراسة " أو الورق بل يستعمل "اللوح " المصنوع من الخشب أو أشجار معينة بواسطة نجّار القرية أو البلدة ، فهذا التعليم كان يعتمد على قدرات الطالب في التعليم والصناعة المأخوذة من بيئته وحسب احتياجاته وهو تعليم ذاتي يُنمِّي خاصة الابتكار والتفكير والاعتماد على النفس ، إضافةً إلى أنّه كان يُعلِّم الناس قيمة الوقت والاستفادة منه في ساعات النشاط ، فاليوم الدراسي يبدأ بعد صلاة الصبح إلى الظهر مع استراحتين للطعام والراحة ، ثم العودة بعد صلاة العصر إلى ما بعد صلاة العشاء ، وقد أخذ نظام اليوم الدراسي الكامل من هذه الطريقة بعد أن خضع لظروف الحياة الحديثة ونظريات التربية وعلم النفس ، وحتى لا يملُّ الطالب من يوم يقضيه كله في الدرس والتحصيل ، ولا ننسى أنَّ الإضاءة في الليل كانت من مهام الطلاب الذين يجمعون الحطب للإنارة في القرى ، وعلى وسائل الإضاءة المتاحة في المدن في البلاد التي يدرس طلابها في مدينة ، وكان من نتائج هذا التعليم أنَّه يقوِّي في الطفل ذاكرة الحفظ ، ويُدرِّب الذهب على خاصة الاختزان للمعلومات والتذكُّر السريع ، فما من شخص تقوى عنده ذاكرة الحفظ إلا وقد كان مدرَّباً عليه في الخلاوى أو ما يشبهها ، والقرآن نفسه عونٌ على تفتُّق الذهن وقوة الحفظ ، وسرعة التذكُّر . أخذ على هذا النظام في التعليم في استعمال الضرب وسيلةً لتقويم السلوك ومعالجة أخطاء الحفظ والاجتهاد ، ولكن التجارب كلها أثبتت أنّ الضرب غير المُبرِّح وسيلة تأديبية تعليمية لا بديل عنها ، وضرورة لضبط السلوك وعملية التعليم ، وكثير من علماء التربية ينادون بالعودة إليها ، بعد أثبتت التجارب فشل النُظم التي تمنع الضرب في تقويم السلوك وسيادة النظام ، وهو أفضل من كثير من الوسائل المثالية النظرية التي أدت إلى فرط النظام وانعدام الضبط في المؤسسات التعليمية ، فقد استهتر الطلاب بالنظام ، وافتقد المعلمون احترام طلابهم فضلاً عن المهابة منهم ، ولو طُبِّقت علينا نظريات علماء التربية في الآثار السلبية والمستقبلية للضرب على الأطفال لكُنا اليوم في عداد غير الأسوياء ، فما كنا نُضرب مرةً واحدة في اليوم الدراسي بل مرات عدة وبأوضاع مختلفة ، ولأسباب كثيرة . وكان لتعليم الخلوة فضل علينا - بعد الله سبحانه وتعالى - فقد وفَّر علينا سنوات الدراسة في المرحلة الابتدائية ، لأنّ الطالب منَّا كان يُختبر في حفظ القرآن والإملاء ، والقراءة ، وبعض مسائل الحساب ، ثم يوضع في مرحلة متقدمة أو في المرحلة المتوسطة في المعاهد العلمية ، ومع ذلك كانوا يحتلون المراكز الأولى طوال عهد الدراسة حتى في الجامعات بفضل القرآن وبركته ، فالذي يحفظ القرآن أو جزءاً منه يسهل عليه حفظ كلام البشر مهما كان حظُّه من الفصاحة والبلاغة . وقد ذكر الدكتور " عبد الله الطيِّب " وهو من طلاب هذا النوع من التعليم ، ذكر في إحدى محاضراته ؛ " أنّ الإنجليز قد انتبهوا إلى أهمية الحفظ للأطفال ، فكان طلاب المدارس العلمية يدرسون " الإنجيل " ويحفظون شعر " شكسبير " وشعر " وبستر " لأنَّه يُرسِّخ في أذهان الصغار العبارات الجميلة ويجعل الأذهان متقدة ، وقد كنتُ أعجب من الفتيان والفتيات في " نيجيريا " وهم يحفظون القرآن برواية "ورش" كما يحفظون " متن الخليل " وشرحه في الفقه المالكي مع صعوبة التعبير فيه " . ويجدر بالذكر نجاح مراكز تحفيظ القرآن الكريم في الإمارات والسودان والسعودية حيث يحفظ الطلاب القرآن في المرحلة الابتدائية إلى جانب دراستهم مناهج زملائهم في المدارس ، وقد انتشرت مدارس تحفيظ القرآن وأصبح طلابها يتفوقون على زملائهم في قدرتهم على الاستيعاب والحفظ والتذكُّر ، والاستنباط والتعبير ، لو أُخذ بهذا النظام في كثير من البلاد لاستفاد أبناء المسلمين ، ولوجدنا تعليماً مؤسساً على بُنيان متين ، ومنهجٍ سليم .


الكاتب: عباس محجوب محمود
0المفضلة
38 المشاهدات
0 تعليقات