• اللوحة التى تركناها على سطح القمر

    مسحت بكفها على جبينى . قبلتنى فى حنان ، ربتت على كتفى و قالت : - ستستريح الان : أحسست بالانتعاش قليلا . قلت لها بعد هنيهة و انا اضغط على راحتها الصغيرة فى حب و امتنان - اجلسى بجانبى الان ....حتى اقص عليك حلم ليلتى الجميل اطاعتنى ، جلست على حافة السرير - خيراً ....ان شاء الله تعمدت ان انظر فى عينيها لارى كيف يفجأها العجب حين أبدأ - لقد كنا معاً على القمر هزت رأسها و لم تتكلم : - كنا سعداء و نحن ندرج على سطحه بدات فى معاكستى - انتظر .....و الجاذبية .... و ابتسمت بمكر عابث : - لم يكن لها من اثر علينا ألبته ....صدقينى .....لقد كنا نسير خطواتنا ، كما عهدناها على الارض ....اعجب ما فى الامر اننا كنا نتنفس من هواء موجود تضاحكت ، و دفعت براسها الى الخلف ، فارتدت خصلة من شعرها الى مكانها - نزهة كانت أم زيارة ؟ - لست ادرى تماما ....لقد كنا نمضى معاً الى اللامكان ....حتى بدت لنا فى النهاية حديقة غناء واسعة الارجاء اشجارها باسقات . قطوفها دانيات ....و ما كدنا ندخل من بابها المفتوح حتى برز الينا طفل صغير يقطع علينا الطريق سألنا بوجه جاد لا يتناسب و طفولته الصغيرة : - قفا من فضلكما و اقترب منا اكثر نظرنا اليه حائرين : هل معكما ممنوعات ؟ - اى ممنوعات تقصد يا صغيرنا العزيز ؟ رد فى حسم قاطع كرجالات الجمارك : - ممنوعات .....الا تعرفان ما الممنوعات ؟ قلت له و انا اربت على شعره المسترسل الناعم : - اطمئن ....ليس معنا ذهبا و لا فضة ....و دعنا الان ندخل جنتك التى لا اظن ان تبيد مثلها ابدا تبسم الصغير من بلاهتنا : - تلك ممنوعات الارض ....ثمة ممنوعات اخرى على القمر و سكت قليلا و نظر إلينا بعينين واسعتين ، حانيتين ثم انفجر ضاحكا شاركناه فى ضحكه البرىء - هكذا ....و بهذه السهولة ندخل - نعم ....فما دمتما لا تحملان الضغينة لاحد و قلباكما عامرين بالمحبة ....فأنتما سعيدان و جنتنا لا يدخلها الا السعداء .....سيرا على هذه الطريق هناك ، و اشار بيده الصغيرة الى طريق ممهدة جميلة تحف بها الشجيرات و الورود و مضينا فيها معا . كنا سعداء حقا ...عرفنا سبب سعادتنا كشفها لنا هذا الصغير الحكيم ، انطلقنا نجرى كطفلين سعيدين . نشم الازهار و نطارد الاطيار ، و ضحكاتنا تجلجل فى الافاق صداحة بالنشوة و الحبور كنت احس بشفاء عجيب ....لا الم .... لا اوجاع ....اعضائى كلها تعمل فى قوة و سهولة - انى جائعة و رددت عليك من بعيد - و انا ايضا و مشينا . نبحث فى ارجاء الحديقة عن طعام فجأة برز لنا طفل الحديقة من جديد ....انشقت عنه النباتات الخضراء . وقف امامنا و ابتسامته الجميلة تجلل فاه الصغير - هناك و اشار بيده البضة الى جبل اشم ، ضرب بهامته العظيمة فى الفضاء الرحيب . نظرنا قمة الجبل الشامخة فهالنا الارتفاع السحيق - ماذا تقصد يا صغيرنا الحبيب ؟ - الا تريدان طعاما ؟ تبسمنا لذكائه : بلى نريد .....و لكن انظر ....انه ارتفاع شاهق و شديد ، هل ترانا نستطيع الوصول اليه ؟ و تطلعت يائسا الى جسد الجبل الراقد كخرافة بلا حدود ، و هو يشمخ براسه الجليلة سامقا فى الرحاب ضحك الصغير . هز سبابته فى مرح : يا لكما من ساذجين حقا ...ما دام قلباكما عامرين بالمحبة ، فلن تحسا ابدا بمشقة الصعود و غادرنا مختفيا كما اتانا .....تلفتنا حوالينا فما رأيناه ذاب فى الهواء ....تعجبنا و ضحكنا ، ضحك طفلين سعيدين و اقدامنا تهرول نحو سفح الجبل الرائع ، المهيب ....طريق ممهدة ملتوية ، تلتصق كالشريط على ظهره ....صعودنا عليها كان سهلا حقا و يسيرا ....صعود رفيق ، سريع لم نحس معه رهقا و لا نصبا ....راينا خلقا كثيرين يتحلقون حول مقصف صغير نظيف ....يضحكون . يتكلمون ....سعادتهم تنضح من كلماتهم ....صفاؤهم يتلالا فى اعينهم . اذابنا جمعهم وجدناهم يدخلون من باب صغير للمقصف و يخرجون من اخر و فى يد كل منهم طعاما ...استوقفتنا فتاة صغيرة - قفا من فضلكما و اقتربت منا - طعامنا له ثمن تسللت اصابعى مسرعة الى جيبى ، تفتش لها عن نقود ، فاذا بها ترتطم بالخواء .... ابتسمت الفتاة فى مرح رقيق و قالت : - لا تتعب نفسك ....لا نريد شيئا مما تبحث عنه شىء اخر نريده و ما نريده لا يوجد ابدا فى جيبك و عادت تبتسم ، و دفعت الى صدرينا بمراة صغيرة شدتها اسلاك رفيعة الى جهاز صغير نظرت فيها مليا ثم قالت و هى تقلب المرآة و تقترب بها منا : - حقد لا يوجد ثم ادارتها بين يديها : - الكراهية لا توجد ايضا و قربت المرآة أكثر - شىء ناصع يتلالا ....رائع ....رائع .... انحنت لنا فى تأدب رقيق و قالت بصوت لطيف النبرات : - تفضلا بالدخول ، خذا ما تحتاجان اليه من طعام تركناها تبتسم و مراتها الصغيرة السحرية تفتش لها عن الحب فى قلوب الاخرين ، و خرجنا من الباب الاخر ، و يد كل منا تحمل طعاما لذيذا شهيا تضاحكت ، و ضربت يدى بكفها : - الجعان يحلم بسوق العيش خبطتها على فخذها : - اسكتى ....لا تفسدى روعة الحلم الجميل طيب ....طيب ....اكمل - و فى مكان بعيد ....بعيد ....تناثرت فيه الصخور و تزاحمت راينا شجرة وارفة ....تقف فى هذا القفر ، وحيدة ، شامخة كشيطان مريد .....تحمل بين اوراقها ثمرا عجيبا ، يتدلى من اغصانها الطويلة ، فى اغراء مثير و على لافتة مثبة امامها كتب بخط عريض جميل " هذه الشجرة من الارض فلا تقربوها ، و لا تأكلوا من ثمرها " وقفنا امامها ذاهلين : لماذا ؟ ...ماذا فيها حتى لا تقربها ؟ ...اننا من الارض و هى من كوكبنا ، و كل غريب للغريب نسيب قلت لك باصرار عنيد : - ساقطف بعضا من ثمرها امسكت بذراعى فى فزع تمنعيننى - لا داعى للتجربة لكنى دفعت بيديك عنى ، و اندفعت – و ااسفا !!- ...اقطف منها ثمرة - انظرى .....يا لها من ثمرة ناضجة جميلة و قضمت منها قضمة - ما الذها ....ما احلاها ....اليك واحدة و قطفت لك واحدة - خذيها ....خذيها ....انها ثمار لذيذة قاطعتنى : - و اخذتها منك ؟ هززت راسى موافقا : - للاسف ....نعم ابتسمت فى حزن : - يا خسارة ....مأساة عادت على يديك من جديد ....ثم بعد يا آدمى الحبيب - لم تمض سوى دقائق قليلة ، حتى دب فى جسدينا شىء غريب ....شىء ارضى سخيف استيقظت كل الغرائز الغافية بوحشيتها و جبروتها و عربدت فى روحينا كالنار فى الهشيم و لاول مرة احسسنا اننا متعبان و اننا غريبان و اننا حقا تائهان ....و بين هذه الاحاسيس الملعونة شق السكون الرتيب فجاة صوت انسان يستغيث : - اغيثانى .....ادركانى .... و هرول الينا رجل اسود . ضامر الجسد . عاريا الا من اسمال ....فى وجهه كل الذعر و فى عينيه كل الخوف ....و رجل ابيض ينطلق خلفه جادا غاضبا ....نظر الرجل خلفه فلمحه يقترب منه ...زاد ذعره اشتعالا - ادركانى ....سوف يقتلنى حتما و يا للعار ....لم نحرك له ساكنا ....ظللنا واقفين كاننا نشهد فيلما مثيرا لا يعنينا .... ضاقت المسافة . اقترب العملاق الابيض اكثر ....هوى المسكين الاسود على وجهه ، و فوقه العملاق الابيض و ألتمع فى الضوء الخافت ، نصل رهيف ....غاص فى اللحم الى اخره . دوت صرخة . تشنج الجسد النحيل فى عصبية ملتاثة و الدماء من الثقب الرهيب ، تتدفق بغزارة ...كلماته الاخيرة ترن فى الفضاء الساكن كالنذير : - او حسبت انك واصل ....ابدا لن تصل ....لن تصل و اختلج الجسد قليلا ، ثم هدأ تماماً و كأنه غرق فى بحر الصمت العميق الذى ينساح حوالينا بلا حدود و تبدل المشهد سريعا و اخترقت حجب الصمت الهادىء فرقعات مدويات تدحرجت على اثرها ، و تحت اقدامنا عشرات الرؤوس من البشر ....رؤوس دون اجساد و امتلأت الآفاق بالأنين ....أنين أليم ....غامض المصدر ....و تكدست حوالينا الرؤوس ، فاذا بك يا حبيبتى تصرخين و تنشجين و عندئذ فقط احسست اننى مريض و اننى بعد لم أبل و هاجمتنى الالام فى كل مكان ، و خارت قواى ، و اهتزت قدماى ، فأنهرت اسقط فى اعياء شديد على تربة القمر الناعمة التى شابهت تراب الفحم و رحت فى بكاء ملتاع ....فقلت لى و الخوف و الضعف يملأنك : - انهض ....انهض لنهرب قلت لك : - انا لا استطيع ....انا لا اقدر و غمرنى البكاء المحزون من جديد و ساد الصمت فجاة و كفت الطلقات القذرة عن انفجارها المهيب . المخيف ، و توقف فيض الرؤوس عن الانتشار ، و السقوط و مات الانين ، و انحسر النحيب ، و اقتربت منا اقدام ثابتة من مكان مجهول .....صعدت ابصارنا الى اعلاها ....فاذا بشرطى هائل الجرم يقف قبالنا ....و قد عقد الغضب ما بين حاجبيه ، و سقط شعاع عينيه علينا كمذنبين ....صرخ فينا بصوت حاد عميق ، و تردد صداه فى الافاق : - معى الى مخفر البوليس قلت له مستعطفا - انا لا استطيع ....انا مريض حدجنا بنظرة اخافتنا ....و انطلقت من فمه كلمة واحدة باترة ( معى ) - انا مريض شدنى ايه فى قوة قاسية و امسك بيدينا ، و هرول بنا و نحن نلهث خلفه و نستعطف و فى مخفر البوليس وقفت انا و انت امام ضابط نحيل يشبه فى وجهه ....وجه طفل الحديقة الجميل ابتدرنا الرجل فى غضب كظيم و الغضب منه يصبغ وجهه بالارجوان - اهذا وعدكما ؟ لماذا جئتما هنا ؟ ثم دق بيمناه حافة مكتبه ، فتطاير الغضب من تحت قبضته شظايا صدمتنا بالخوف ....تطلعنا اليه صامتين . ثم اتنكست رأسانا فى حزن عميق . فتح درج مكتبه فى قوة و اخرج منها لافتة صغيرة دفعها نحونا فى قوة ....فادركنا على الفور انها لوحتنا و تذكرنا كل شىء ، و قراناها فى صمت : " لقد جئنا فى سلام لكل البشر " نكست رأسى خجلا ....ووضعت اللويحة على مكتبه ، و فى صمت هادىء وقور اخذنا نستدير لنخرج ، فاذا بصوته الاجش الغضوب ، يعود يصرخ فينا اقوى مما كان : - تتركاها مرة اخرى .....شىء مضحك ....خذاها معكما ....لا نريد منكما لويحات مزخرفة على كوكبنا الهادىء السعيد .... خذاها انتما يا بنى البشر . و مددت يدى لاتناول اللويحة و الخجل يتساقط من جسدينا عرقا باردا لاذعا و قلت لك و الحزن القاتل يفجر قلبينا - هيا بنا يا زوجتى العزيزة ، فلم يعد لنا من بقاء على سطح القمر فاستيقظت من النوم لاجد نفسى فى غرفة النوم على السرير و انت بجانبى توقظينى بقبلة حانية ، و اخذ يقول لزوجته و هو يتمطى على السرير : - فقط كان حلما رائعاً أليس كذلك ؟ يا زوجتى العزيزة . *تمت *

    الكاتب: احمد دسوقى

    1المفضلة

    46 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    story 

التعليقات (0)

المزيد من احمد دسوقى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • اللوحة التى تركناها على سطح القمر