تفسير سيبويه لمقولة(هذا جُحرُ ضبٍّ خربٍ)
Oct 2, 2021 11:26 AM Oct 2, 2021 11:26 AM
هذه كلمة يسيرة في شرح تفسير سيبويه رحمه الله لمقولة (هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ) على لغة إتباعِ الجرِ الجرَّ، وهي لغة تخالف لغة أكثر العرب وأفصحهم، يقول سيبويه عن هذه اللغة:"وممّا جرى نعتًا على غير وجه الكلام"هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ"، فالوجه الرفع، وهو كلام أكثر العرب وأفصحهم. وهو القياس". وقد تناول سيبويه تفسير انجرار (خربٍ) مرتين؛ المرة الأولى في باب(هذا ما يُجرى على الموضع لا على الاسم الذي قبله)، والمرة الثانية ضمن باب(هذا باب مجرى النعت على المنعوت والشريك على الشريك والبدل على المبدل منه وما أشبه ذلك)، وفي كلا البابين أشار إلى (الموضع)؛ لأنه ما تقوم عليه فكرة ما أسماه بـ (قرب الجوار)، أو الوشيجة التي يتحقق معها الإتباع على الجرّ. يقول عن سبب جرّ (خربٍ):"لأن الخرب نعت الجُحر والجُحرُ رفعٌ، ولكنّ بعض العرب يجُرُّه. وليس بنعتٍ للضبِّ، ولكنّه نعتٌ للذي أُضيف إلى الضبِّ، فجرُّوه لأنّه نكرةٌ كالضبِّ، ولأنّه في موضعٍ يقع فيه نعتُ الضبِّ، ولأنّه صار هو والضبُّ بمنزلة اسم واحد". أي أنّ (خربٍ) موضعها موضع نعتٍ لـ (ضبّ)، وهذا ما جعل العرب تجرُّها على الإتباع، وقال سيبويه في أول الموطنين المذكورين:"وقد حملهم على قُرب الجوار على أن جرُّوا: هذا جُحر ضبٍّ خربٍ، ونحوه فكيف ما يصح معناه"، وقد جاء هذا الكلام بعد تمثيله ب(ليس زيدٌ بجبانٍ ولا بخيلًا)، و(ما زيدٌ بأخيك ولا صاحبَك. والوجه فيه الجرّ؛ لأنّك تريد أنْ تُشرك بين الخبرين، وليس ينقض إجراؤه عليك المعنى، وأنْ يكون آخره على أوله أولى). يتبين من كلام سيبويه وتمثيله أنّه لولا (الموضع)، ما كان إتباع على الجرّ في باب النعت، ولا مخالفةُ الاسمِ الثاني الأولَ في باب العطف. و(الموضع)وإن كانت علاقتُه مع ما قبله واضحةً في باب العطف، فإنّ فيها خفاء في باب النعت، خاصة في محاولة إثبات علاقة (خربٍ) بـ (جُحر) وبينهما مضافٌ إليه، وهو (ضبّ). لذلك حاول سيبويه أن يُوضح هذه العلاقة بأقرب تركيبٍ تستعمله العربُ في كلامها، مشابهٍ لعلاقة النعت(خربٍ)بالمضاف(جُحر)؛ وهو التركيب الإضافي. يقول:"ومثل ذلك: هذه ثلاثة أثوابك، فكذلك يقع على جُحر ضبّ ما يقع على حبِّ رمانٍ، تقول: هذا جحرُ ضبّي، وليس لك الضب، إنما لك جُحرُ ضبِّ، فلم يمنعك ذلك من أنْ قلت جحرُ ضبي، والجُحرُ والضبُّ بمنزلة اسم مفردٍ، فانجر الخربُ على الضبِّ كما أضفت الحجر إليك مع إضافة الضب" وهذا التركيب الإضافي الذي مثّل به سيبويه، انشغل عنه النحويون، إلى ما أحوجهم إلى حمل التركيب على النعت السببي نحو(هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ جحرُه)، أو (هذا جحرُ ضبٍّ خربِ الجحر)، أو وصف التركيب باللحن والخطأ، أو قصره على باب النعت فقط، ولم أجد أحدًا من النحويين أبقى على تقدير سيبويه سوى الرضي، يقول:"وقد يوصف المضاف إليه لفظا، والنعت للمضاف، إذا لم يُلبس، ويقال له: الجر بالجوار، وذلك للاتصال الحاصل بين المضاف والمضاف إليه، فجعل ما هو نعت للأول معنى، نعتًا للثاني لفظًا، وذلك كما يضاف لفظًا، المضاف إليه، إلى ما ينبغي أن يضاف إليه المضاف، نحو: هذا جحر ضبي، وهذا حب رماني، والذي لك: هو الجحر والحب، لا الضب، ولا الرمان" وقد نسب سيبويه تفسير الجرّ على الجوار، إضافة إلى الإتباع إلى الخليل، يقول بعد أن ذكر التفسيرين:"وكلا التفسيرين تفسير الخليل، وكان كلُ واحدٍ منهما عنده وجهًا من التفسير"، ثم خالف الخليل في أنه لايشترط في المتجاورين أنْ يستويا في التعريف والتنكير والتذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع، يقول سيبويه:"وقال الخليل رحمه الله: لايقولون إلا هذان جُحرا ضبٍّ خربان، من قِبل أنّ الضبّ واحد والجحر جُحران، وإنما يغلطون إذا كان الآخر بعدّة الأول وكان مذكرًا مثله أو مؤنثًا. وقالوا هذه جِحرة ضبابٍ خرِبةٍ؛ لأن الضِّباب مؤنثة، ولأنّ الجِحرة مؤنثة، والعدّة واحدة، فغلطوا. وهذا قول الخليل رحمه الله، ولانُرى هذا والأول إلا سواء؛ لأنه إذا قال: هذا جحر ضبٍّ مُتهدّمٍ، ففيه من البيان أنّه ليس بالضبِّ، مثل ما في التثنية من البيان أنّه ليس بالضبِّ" ثمرة هذه المقالة: أنّ تفسير سيبويه لمقولة العرب(هذا جحر ضبٍّ خربٍ) بالجر على التركيب الإضافي جاء ليبيّن علاقة النعت بالمضاف مع وجود المضاف إليه بينها، لا أنّ (خربٍ) ليست نعتًا على المجاورة، كما أنّ المضافين (جُحر)، و(حبّ) في المثالين تطلب (ياء المتكلم)، مع وجود المضاف إليه(ضبّ)، و(رمان)؛ لأنّه إن أبقى التركيب على النعت، لم يُفسّر وجود العلاقة بين النعت والمنعوت من جهةٍ، وبين موضع النعت والمضاف إليه من جهة ثانية، إضافةً إلى أن حمل التركيب على النعت السببي كما قدّره السيرافي، وابن جني على اختلافٍ يسير، يجعل منه أسلوبًا مقيسًا، ومعلومٌ أنه على خلاف القياس، وقد وصف الخليل رحمه الله العرب الذين يتبعون الجر إذا كان الآخر بعدّة الأول بالغلط. وأخيرًا: إنّ تفسير مقولة (هذا جُحر ضبٍّ خربٍ) على التركيب الإضافي أولى؛ لما فيه من توضيحٍ لعلاقة التركيب بعضه ببعض، وأنّ الراجح في الجرّ على الجوار ؛ هو ما ذهب إليه الخليل من اشتراط تساوي المتجاورين في التعريف والتنكير، والنوع، والعدد. ٢٥ صفر ١٤٤٣ د عايض بن محمد القحطاني


الكاتب: عايض القحطاني
0المفضلة
48 المشاهدات
0 تعليقات