البطل والقدر في نظرية الأدب الاسلامي*
Oct 8, 2021 03:59 PM Oct 8, 2021 03:59 PM
يركّز الأدب الإسلامي اهتمامه على تصوير النموذج الإسلامي للشخصية الانسانية أو ما يمكن أن نسميه الشخصية الاسلامية المتوازنة ، وأول ما يقدمه من ملامح هذه الشخصية هو جانبها الفطري المتأصل في خلقة الانسان كموجود متميز عن سائر الموجودات بما وهبه الله من عقل وإرادة استحق بهما أن يكون مكلفاً بخلافة الله في الارض ، وفي ميدان الصراع بين الانسان والشيطان يجد الأدب الإسلامي آفاقاً واسعة وجوانب رائعة وحقولاً خصبة للابداع الفني الاصيل ؛ فيصوّرالانسان في لحظة القوة ولحظة الضعف ، ولكن يهتف له دائماً من جانب الصعود ؛ فجانب الهبوط موجود من نفسه لايحتاج إلى هتاف ، ولحظة الضعف لاتحتاج إلى تسجيل. ولذلك يحرص الادب الإسلامي على كشف وإظهار مكامن القوة في شخصية الانسان متمثلة في تصويره متوازناً بانطلاق كل طاقة من طاقاته في حدودها الخاصة ، وتوازن قواه المتفاعلة في كيانه ، وأهم مظاهر التوازن التي يعتمدها الأدب الإسلامي في تصويرنماذجه البشرية ،التوازن بين الارادة الالهية المطلقة والارادة الانسانية المحدودة مما له أثر كبير في شعور الانسان بكرامته وثقته بنفسه وتصميمه على صنع مستقبله ولكن في اطار الاستمداد من الارادة المطلقة والشعور بأن كل هذه القوى منه تعالى . واذاما اختلّ هذا التوازن – نتيجة جهل بالاسلام – عاد محطماً لسلوك الانسان اذ يجره إما إلى الهزيمة والذوبان الذاتي والتحلل من المسؤولية أو إلى التجبر والتكبر والعلو على واقعه والانفصال عن جذوره الاصلية. ومما يؤسف له أن هذا التصور المتوازن للعلاقة بين ارادة الله وإرادة الانسان ، شهد اضطراباً وتزعزعاً في مسيرة الفكر الفلسفي والعقائدي على مدى قرون عديدة من تاريخ الحضارة الاسلامية ، حيث ظهرت أفكار وآراء متطرفة في هذا الميدان الذي اتسع لنقاش وجدل طويل حول مسألة القضاء والقدر الالهي وحرية الانسان ، وأبرز المذاهب المتطرفة في هذا المجال ما سمي بمذهب الجبر الذي مثله الاشاعرة ، وما سمي بمذهب التفويض الذي مثله المعتزلة . ولما كان الاديب الإسلامي مطالباً باستقاء تصوراته الإسلامية من منابعها الاصيلة ليصدق وصف إنتاجه بأنه أدب اسلامي حقاً ، فلابد له من التمييز بين المذاهب الكلامية لاستبعاد الآراء المتطرفة التي تصادم في عمقها ثوابت العقيدة الحقة في جهة من جهاتها . لأن اعتماد الأديب على تلك الآراء أو تبنّيه لها يُحدث خللاً في تصوراته عن الانسان وعلاقته بالله والكون والمجتمع مما يؤدي به إلى تصوير نماذج بشرية غير متوازنة فلا يصدق عليها وصف الشخصية الاسلامية التي يسعى الأديب الإسلامي إلى تحقيقها في انتاجه الادبي . ومن هذا المبدأ المعرفي , وجبت الاشارة إلى المذهب الحق في مسألة القضاء والقدر الالهي وعلاقته بحرية الانسان لأنها من المسائل المهمة جداً في بناء التصور المتوازن لنموذج الشخصية الانسانية في الأدب الإسلامي . وقد تمثل ذلك المذهب الحق بمبدأ (الأمر بين الأمرين) الذي كشف عنه أئمة أهل البيت عليهم السلام ونسبوه إلى القرآن وعُرفوا بأنهم روّاد هذا المذهب القرآني الذي يقع وسطاً بين المذهبين المتطرفين (الجبر والتفويض) , فيقرر أن فعل الانسان الاختياري وسط بين الجبر والتفويض . وهذا المبدأ القرآني يعد أساساً محكماً في صياغة صورة البطل في الادب الاسلامي بمقابل صورته في الآداب الاوربية المعاصرة التي تناهبتها الفلسفات والافكارالمتصارعة على مدى القرون الأربعة الاخيرة ، فتمزقت بين المدارس المختلفة في الفكر والفن وتوزعت بين التيارات المتنازعة حتى أصبح لشخصية ( البطل) سمات وملامح تعبر بقوة عن هذه التيارات الصاخبة التي كانت وما زالت غير قادرة على الرسوخ والصمود ، وبدا البطل بصفة عامة - كإنسان العصر- غريباً ، ساخطاً رافضاً متمرداً لايعرف الطمأنينة والاستقرار ولاينعم بالسعادة او الحب الحقيقي ، إنه يعاني الأرق والاكتئاب والوحدة والعجز ، وإن خواءه الروحي وامكاناته المحدودة وخضوعه لسيطرة الآلة ودورانه في ساقية المطالب المعيشية الآنية ، قد أفرغت كيانه من مكونات القوة والارادة القادرة على صنع التغيير ، ذلك هو البطل المعاصرفي الآداب الأوربية ، بل وفي آداب الشرق التي تقلد وتعيش عالة على التراث العلمي والتكنولوجي والفكري للغرب. ومن هنا تأتي الحاجة الملحة لتغيير هذه الصورة اليائسة الكالحة للبطل ، التي شكلها التصور الجاهلي الناقص والمنحرف للانسان وعلاقته بالله سبحانه وتعالى وأملتها المعرفة السطحية لحدود الحرية الانسانية في نظام القضاء والقدر الالهي وقاد إليها الجهل بمبدأ(الأمر بين الأمرين) الذي يعد ركيزة أساسية في بناء التصور المتوازن لعلاقة الانسان بخالقه وعلاقته بالكون والمجتمع كذلك ، وهو تصور تتكامل فيه الرؤية لنظام القضاء والقدر الالهي ودور الانسان في هذا النظام . وبناء على ماتقدم فان صورة البطل في الادب الإسلامي لا تكتسب صفتها الاسلامية التامة إلاّ في سياقها الاجتماعي ودورها الفاعل في تطوير المجتمع وتمردها على مظاهر الشرّ والظلم فيه وسعيها الحثيث في نشر القيم الاسلامية في جميع انحائه ومفاصله ، وعندها يصبح هذا البطل تجسيداً حياً لفكرة الاديب الإسلامي بقدر ما يمتلك هذا الأديب من تصور شامل ودقيق لطبيعة الانسان في عناصره الاساسية ومكوناته الفطرية وما يطرأ عليها بمسيره في سبل الخير او الشر وطبيعة علاقاته بالله والكون والمجتمع . *هذا المقال ملخّص بحث للكاتب منشور في ( مجلة الباحث ) المحكّمة . تصدرها كلية التربية للعلوم الانسانية – جامعة كربلاء . العدد ( 4 ) نيسان 2012 م ، ص 273- 306 .


الكاتب: عبد الكريم المحمود
0المفضلة
13 المشاهدات
0 تعليقات